في
الولايات المتحدة الأميركية لا أحد يسمع باسمي توم برّاك ومورغان اورتاغوس. أمّا في
لبنان فإن هذين الموفدين الرسميين قد أصبحا نجمين يتصدّران
أخبار وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وقد سمحا لنفسيهما بأن يتصرّفا وكأنهما من "أهل البيت"، حتى وصل الأمر بالأول إلى حدّ إعطاء تعليماته إلى الصحافيين والتهجّم عليهم بألفاظ نابية تدّل على روح استعلائية لم يسبقه إليها أي مندوب أو موفد آخر، سواء أكان أميركيًا أو أوروبيًا أو إيرانيًا باستثناء الذين اعتبروا في وقت من الأوقات أن لبنان ساحة مستباحة، بحيث يستطيعون التصرّف فيها على هواهم.
أمّا السيدة اورتاغوس فقد أصبحت تضاهي نجمات المجتمع في إطلالاتها الاستعراضية وكأنها تريد أن تقول للبنانيات واللبنانيين على حدّ سواء إنها تضاهيهم في تلبية الدعوات الاجتماعية .
حتى
في إسرائيل فإن برّاك واورتاغوس يذهبان إليها ويأتيان منها "انكونيتو". فلا أحد يعلم من التقيا من المسؤولين الإسرائيليين ومتى وأين، ولا أحد "يعزمهم" على عشاء أو أي مناسبة اجتماعية أخرى، وبالتالي لا يصدر عنهما أي تصريح لأنه ممنوع عليهما الادلاء بأي تصريح صحافي.
فلماذا يحقّ لهما أن يتصرّفا في لبنان على غير ما هو غير مسموح لهما في أي بلد آخر؟
قد يكون الجواب عن هذا التساؤل فيه الكثير من الواقعية، التي يرفض كثيرون الإقرار بها. وهذه الواقعية بما فيها من حقيقة يستدعي معها التحسّر على زمن يقال بأنه كان جميلًا. فلبنان، الذي خضع للاحتلال العثماني، ومن بعده أُخضع للانتداب الفرنسي، الذي تلته بعد فترة من الاستقرار السياسي النسبي، وصاية سورية، لا يزال يعيش تلك الدونية حتى أن بعض الغيارى على مصلحة لبنان أكثر من بعض اللبنانيين أنفسهم يتجرأون على القول بأن هؤلاء اللبنانيين لم يبلغوا سن الرشد السياسي بعد، وهم اعتادوا على أن يمسك الآخرون بأيديهم، ويدير شؤونهم حتى الصغيرة منها.
ولأن وضع اللبنانيين على هذه الحال فإن برّاك غيره من الموفدين يسمحون لأنفسهم بأن يتصرّفوا على شاكلة مشهدية "البهدلة"، التي تعرّض لها صحافيات وصحافيو القصر
الجمهوري، الذين لم يسمعوا جيدًا ما قاله لهم الزائر الأميركي لكثرة الضجة والضوضاء في القاعة المخصّصة للمؤتمرات الصحافية في قصر بعبدا.
فالوضع في لبنان إلى مزيد من التعقيد والتصعيد. إنها الخلاصة التي استنتجها من قرأ تصريح الرئيس
نبيه بري عمّا نقله كل من بّراك واورتيغاس من رسائل إسرائيلية عقب زيارتهما لتل أبيب.
وفحوى هذه الرسائل أن
إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح "
حزب الله". لكن الجواب لم يأتِ هذه المرة من "حارة حريك"، بل من "عين التينة"، واكتفى "الحزب" بأن قطع الطريق المؤدي إلى صور والخيام على الوفد الأميركي .
وهذا يعني أن الحزب الذي تراجع عن القيام بحركة احتجاجية في
بيروت استعاض عنها باحتجاج ذي طابع جنوبي بحت، لإبلاغ أميركا عدم رضاه عن الوساطة التي تقوم بها، كذلك عدم رضاه عن إقامة منطقة اقتصادية باسم ترامب في المنطقة الحدودية.، إضافة إلى أنه أراد أن يقول للجانب الأميركي وللجانب الاسرائيلي وحتى للجانب اللبناني الرسمي، إنه مازال موجودا حتى في جنوب الليطاني، وهذه هي الرسالة الأقوى التي أراد توجيهها إلى الجميع.
والرسالة التي كان ينتظرها
الاميركيون من "حارة حريك" أتتهم من "عين التينة" بالذات على لسان الرئيس بري، الذي قال "إن الوفد الأميركي لم يأت بأي شيء من إسرائيل، وبالتالي ذهبت الأمور نحو التعقيد مجددا". وإذ رفض الكلام عن المرحلة المقبلة في ضوء هذا التعقيد الجديد، اكتفى بالتشديد على أن الأمور ليست سهلة. وردا على سؤال عن الاجتماع الحكومي المقرر في الثاني من أيلول، اكتفى بالقول: "إن كل أمر يؤدي إلى خلاف في البلد مستنكر".
فماذا قصد الرئيس بري بكلامه عندما قال بأن الأمور ذاهبة إلى التعقيد مجدّدًا، هل يعني ذلك أن التفاوض مع الجانب الأميركي عاد إلى مربعه الأول، وأن قرار حصر السلاح لم تعد له قيمة فعلية على أرض الواقع، وأن جلسة الحكومة الأسبوع المقبل آيلة إلى التأجيل، إن لم نقل إلى الفشل، أو أن طبول الحرب ستقرع من جديد بعدما سقطت كل أوراق التفاوض.
هي أسئلة مشروعة، ويطرحها كل لبناني يرى أن الحل الممكن والمعقول والمقبول قد أصبح كالرمال التي تشدّ عليه الحكومة بكلتا يديها لتجد أنه لم يعد لديها ذرّة واحدة من هذه الرمال، التي قد تتحوّل قريبًا إلى متحركة.