Advertisement

لبنان

الجنوب… وهل يرضى الأهالي نسيان ماضيهم وأراضيهم؟

جاد حكيم - Jad Hakim

|
Lebanon 24
29-08-2025 | 09:30
A-
A+
Doc-P-1410418-638920546054131915.png
Doc-P-1410418-638920546054131915.png photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
يتكرّر في الأيام الأخيرة حديثٌ عن "تصوّر" إسرائيلي لتحويل الشريط الحدودي إلى ما يُسمّى منطقة اقتصادية تفصل بين لبنان وإسرائيل، تقوم عمليًا على تفريغ بعض القرى أو إعادة تشكيلها كـ"حزام استثماري/أمني". الفكرة تُسوَّق بوجهٍ مزدوج: أمنٌ لإسرائيل من جهة، وفرصٌ اقتصادية مزعومة للبنان من جهة أخرى. لكنّ الجنوبيين قرأوا الرسالة سريعًا: أي مشروع يبدأ بخلخلة الوجود البشري على الأرض هو مشروع نزعٍ للحقّ قبل أن يكون "تنمية"، وهو مرفوض مهما تبدّلت تسمياته.
Advertisement

أول ما ينبغي توضيحه أنّ الاقتصاد لا يُبنى على أنقاض الجغرافيا الإنسانية. الشريط الحدودي ليس فراغًا هندسيًا، بل شبكة حياة متوارثة: ملكيات فردية ومشاعات، مواسم تبغٍ وزيتون وغطاء رعوي، ومسارات يومية نحو المدارس والحقول والمستشفيات. تحويل هذا الواقع إلى "منطقة" معلّبة يقتضي إما نزوحًا منظّمًا أو إعادة تصنيفٍ قسريٍ للأرض وحقوق الناس عليها. ذلك ليس "مشروعًا" بقدر ما هو وصفةُ قطيعةٍ مع الديموغرافيا التي هي أساس السيادة.
حزب الله» يستهدف تجمعات لجنود <a class='entities-links' href='/entity/569331301/الاحتلال/ar/1?utm_term=PublicFigures-الاحتلال&utm_source=Lebanon24-Frontend&utm_campaign=PublicFigures&utm_medium=PublicFigures-الاحتلال&id=550136&catid=0&pagetype=PublicFigures'>الاحتلال</a> <a class='entities-links' href='/entity/2863300954/الإسرائيلي/ar/1?utm_term=PublicFigures-الإسرائيلي&utm_source=Lebanon24-Frontend&utm_campaign=PublicFigures&utm_medium=PublicFigures-الإسرائيلي&id=303590&catid=0&pagetype=PublicFigures'>الإسرائيلي</a> في <a class='entities-links' href='/entity/2327745971/جنوب-لبنان/ar/1?utm_term=PublicFigures-جنوب-لبنان&utm_source=Lebanon24-Frontend&utm_campaign=PublicFigures&utm_medium=PublicFigures-جنوب-لبنان&id=224916&catid=0&pagetype=PublicFigures'>جنوب لبنان</a> بـ«صواريخ موجهة» - الوطن

الخطر الثاني كامِن في اللغة المضلّلة. عبارة "منطقة اقتصادية" تبدو براقة، لكنها ، وفق ما يُسَوَّق، ليست منطقة حرة للاستثمار اللبناني، بل غلاف أمنيّ بمسمّى اقتصادي. التجارب المشابهة في العالم تُظهر أنّ "الاقتصاد" في مثل هذه الأطر يتحوّل إلى اقتصادٍ مُحاطٍ بالشروط الأمنية والقيود على الحركة والتوريد، فينتج "جيوبًا" معزولة لا تنمي الجنوب بل تعزله. أي "ازدهار" يُبنى على نقاط تفتيشٍ وأوامر عسكرية يتحوّل في أحسن الأحوال إلى عملٍ هشّ بلا أمان حقوقي، وفي اسوأ الحالات إلى أداة ضغط دائمة على السكان.

وليس تفصيلاً أن ذاكرة الجنوب مثقلةٌ بتجربة الشريط المحتلّ سابقًا: سنوات من الانتهاكات والإخلاءات الجزئية وحرمان الناس من حقّهم الطبيعي في الوصول إلى الأرض. لذلك يبدو الرفض هنا وجدانًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. أهل المنطقة لا يفاوضون على تعريف بديهي: الأرض ليست بندًا في مفاوضة أمنية، ولا تُستبدَل بوعود "تعويض" أو فرص عمل ظرفية. السيادة في الجنوب تُقاس بقدرة الأهالي على البقاء في بيوتهم وحقولهم، لا بعدّاد الاستثمارات التي تُقام فوق فراغٍ سكاني.
دمار هائل في عديسة وميس الجبل... الانسحاب الاسرائيلي يكشف حجم العدوان | النهار


على المستوى الدستوري والحقوقي، أي مشروع يعيد ترسيم دورة الحياة على الحدود خارج الإطار السيادي للدولة يضع لبنان أمام منزلق خطِر: قبول منطقة تفصل بين الناس ودولتهم بدعوى المنفعة،هذا يُضعف منطق الدولة داخل حدودها البرّية، ويحوّل مهمة تثبيت الاستقرار من واجب سيادي إلى مقاولة مشتركة مع "اشتراطات" أمنية تأتي من وراء الحدود. هكذا تُصبح التنمية قناعًا لإدارة الأزمة، لا حلًا لها.

في المقابل، لدى الدولة اللبنانية ما تفعله بعيدًا عن بلاغة الرفض فقط. المطلوب تحويل الجنوب إلى حالة إنماء مُحصَّنة، لا إلى "موضوع" أمني دائم. ذلك يبدأ ببرنامج تعويضات منهجي وسريع للقرى المتضرّرة، وتمويلٍ مستدام للبنى التحتية الزراعية (مسالك، ريّ، برّادات، أسواق ربط)، وتثبيت خدمات الصحة والتعليم في القرى الأمامية حتى لا تتحوّل إلى مجرد "مناوبات" موسمية. ما يحتاجه الجنوب فعلًا هو اقتصادٌ متجذّر في أرضه: تصنيعٌ غذائي صغير، تعاونيات، طاقة موزّعة تحمي سلاسل التبريد، وممرات تسويق داخلية وخارجية تديرها الدولة بغطاء قانوني واضح، لا "منطقة" مبهمة تُدار بالإنذارات.
غارة على كفرشوبا - الجريدة ـ لبنان


يبقى البُعد الأمني. أمن الحدود لا يُشترى بإزاحة القرى ولا بتذويبها في "حزام اقتصادي". الأمن المستدام في التجربة اللبنانية يأتي من سيادة واضحة المعالم، ومن تطبيق القواعد التي تحفظ حقّ الدولة وحدها في القرار داخل أراضيها، دون مقايضة هذا الحقّ بمشاريع وهمية. وإذا كان ثمّة من يريد أمنًا، فهو لا يمرّ عبر تفريغ الأرض من أهلها أو تشييئ وجودهم على أنه تفصيل قابل للتبادل.

الخلاصة أنّ عنوان "غزّة 2" لا يصمد أمام قراءةٍ لبنانية بحتة للجنوب: هنا مجتمعٌ قرّر طوال عقود أن البقاء على الأرض هو شرط الحياة والمعنى معًا. أي طرحٍ يُلامس حقّ الناس بأرضهم سيسقط، لا لأنّ الشعارات أعلى صوتًا، بل لأنّ هذه البلاد جرّبت كل ما يُشبه"الأحزمة" و"المناطق" وعادت في النهاية إلى مبدأ أوّل: الجنوب ليس مسودةً للتجربة، بل أرضُ ناسٍ لا يقبلون أن تُصنع سيادتهم بغيابهم.
 
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد حكيم - Jad Hakim