Advertisement

لبنان

مشهد غير مألوف في لبنان: جفاف الأنهر والينابيع.. والصهاريج تنقل مياه ملوّثة

نوال الأشقر Nawal al Achkar

|
Lebanon 24
30-08-2025 | 04:00
A-
A+
Doc-P-1410871-638921458629447605.jpg
Doc-P-1410871-638921458629447605.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
يعاني لبنان من أزمة مائيّة غير مسبوقة، انعكست شحًا وجفافًا في كلّ المناطق اللبنانية الساحليّة منها والجبليّة، بحيث جفّ الجزء الأكبر من الينابيع والأنهار والبرك، وتحوّلت مجاري الأنهار إلى أراض قاحلة. لعّل مشهد نبع البياضة في بعلبك، أحد أقدم وأغزر الينابيع في منطقة البقاع، وقد أضحى بقعة جافة، يمثّل أبرز مؤشّر على خطورة الأزمة المائيّة، التي تهدّد النواحي الصحيّة والبيئيّة والاجتماعيّة.
Advertisement
يباس أشجار الغابات
لم يقتصر الجفاف على المساحات المائيّة، بل طال الغابات، وبدأنا نشهد أشجارًا امتازت بغطائها الأخضر على مدار العام، قد أضحت رمادية وصفراء، وكأنّ حريقًا قد أصابها، وهي ظاهرة تحصل للمرة الأولى في غابات لبنان، وفق ما أكّد رئيس حزب البيئة العالمي ضومط كامل "لقد قمنا بجولات شملت كافة المناطق، وتفاجئنا بأنّ أوراق الأشجار في الغابات بدأت تميل إلى الإصفرار وبعضها تعرّض لليباس" لافتًا في اتصال مع "لبنان 24" إلى أنّ لبنان دخل مرحلة التغير المناخي من بابها العريض.
"بركة العروس" هي بركة تصبّ فيها مياه نهر مرشد في الشوف الأعلى، تغذّي بمياهها كلّ المزروعات في قرية "عين قني" الشوفيّة، وقد اشتهرت في الآونة الأخيرة كمقصد سياحي، نظرًا لغزارة مياهها وجمال شلالاتها وكثافة الأشجار المحيطة بها، وامكانيّة السباحة في مياهها العذبة والباردة في عزّ الصيف.هذا الصيف تحوّلت البركة إلى مكان مخيف، وفق توصيف بعض أهالي القرية، أحد المزارعين  يقول لـ "لبنان 24" بلغت الخامسة والثمانين من عمري، أعمل في زراعة حقلي المجاور للبركة، ولم أرَ طيلة حياتي مشهد البركة وقد جفّت تمامًا، لا بل كانت حتّى الصيف الماضي تمثّل منتزهًا لأهالي القرية والقرى المجاورة.

ندرة المتساقطات  
عوامل كثيرة تقف خلف موجة الشحّ والجفاف، منها تراجع المتساقطات، بحيث شهد شتاء عام 2024-2025 انخفاضاً كبيراً في معدّل الأمطار، حيث كانت كميات الأمطار أقل بنسبة 50% من المعدل السنوي وفقًا لوزارة الطاقة والمياه. في هذا السياق يقول ضومط "للمرة الأولى نشهد انخفاضات كبيرة في المتساقطات، والأخطر الانخفاضات في المتساقطات الثلجية هذا العام، بحيث اقتصرت الثلوج على مستويات مرتفعة عند 1500 متر وما فوق، خلافًا لما كان يحصل في الأعوام السابقة من متساقطات ثلجيّة تصل إلى 200 متر عن سطح البحر عدّة مرات خلال الموسم الواحد، ما يؤشّر إلى نقص حادّ في المياه الجوفيّة التي تتغذى من الثلوج". فضلًا عن الانخفاض الحاد في المتساقطات، شهد موسم الصيف ارتفاعًا قياسيًّا في درجات الحرارة، نتج عنه تبخّر الموارد المائيّة المتاحة وتراجع قدرة الأراضي الزراعيّة على الاحتفاظ بالرطوبة. وقد أشارت بيانات مركز البحوث العلميّة الزراعيّة إلى أنّ نسبة المياه المتاحة للري تقلّصت بأكثر من 60% هذا الموسم، ما انعكس سلبًا على القطاع الزراعي. وأشار تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أنّ نسبة استخدام المياه غير المعالجة في الري في بعض القرى البقاعية ارتفعت بنسبة 25% خلال الأشهر الماضية.
سوء إدارة ملف المياه
العوامل الطبيعيّة لا تقف وحدها خلف أزمة المياه، بل هناك عوامل لا تقلّ خطورة تتعلّق بسوء إدارة هذا الملف من قبل المعنيين به، وفي مقدّمهم وزارة الطاقة والمياه، ليس فقط بسبب عدم وضع استراتيجيّات لاستباق الأزمة وإيجاد الحلول قبل حصول الشح والجفاف، بل لعدم معالجة الهدر الحاصل في شبكات المياه والذي يتجاوز نسبة 30% وفق ضومط "الشبكات قديمة العهد تعود إلى ستينيّات القرن الماضي، والأخطر من ذلك أنّ الصرف الصحي يتسرّب إلى داخل شبكات المياه". وقد حذّر تقرير صادر عن "اليونيسف" عام 2021 من خطورة عدم صيانة هذه الشبكات، لافتًا إلى أنّ أنظمة إمدادات المياه في لبنان على وشك الإنهيار، ما يعرّض اكثر من 71 % من الناس لخطر عدم الحصول على المياه.

الصرف الصحي يتسرّب إلى الأنهار والمياه الجوفيّة
أزمة المياه ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى عقود مضت، ويجب اتباع نهج مغاير عن السابق، وهو ما نأمل أن يقوم به العهد الحالي يقول ضومط "منذ العام 2010 بدأنا نشهد أزمات حادّة في المياه، دون أن يقابلها وضع استراتيجيّة مائيّة للتعامل مع الأزمة، ثمّ تفاقمت الأمور حتّى وصلنا إلى انخفاض خطير في كلّ المياه الجوفيّة. كما أنّ مجاري الأنهار باتت عبارة عن مجاري للصرف الصحي، حيث يصبّ في نهر الليطاني وحده أكثر من 8 الآف بين صرف صحي وصناعي. نهر ابراهيم جفّ تمامًا وكذلك حال نهر بيروت وأنهار وينابيع أخرى. والقناة التي تغذي ساحل جبيل بمياه الري والشفة وساحل كسروان على وشك أن تجف، أمّا بالقرب من وزارة الطاقة والمياه  فيجري نهر صرف صحي مكشوف، كفيل وحده بكشف عمق الأزمة".

الصهاريج تجارة رابحة ومياه ملوثة بالصرف الصحي
بسبب شح المياه، انتشرت ظاهرة صهاريج المياه، ليس في بيروت فحسب بل في كلّ لبنان، بما في ذلك المناطق الجبليّة التي اشتهرت بكثرة الينابيع والأنهار والبرك والشلالات. وبات الجميع تحت رحمة أصحاب الصهاريج، الذين أحسنوا استغلال الأزمة، ورفعوا الأسعار، فنمت سوق سوداء لبيع المياه الملوثة. وقد ارتفع ثمن كلّ صهريج مياه من 60$ إلى 250$، يؤّكد ضومط، مشيرًا إلى تلوث الآبار الإرتوازيّة بالصرف الصحي، خصوصًا في المدن الساحلية، وبذلك تتسرب مياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، وتنقل الصهاريج المياه الملوثة إلى خزانات المنازل، حيث تُستخدم المياه في غسل الخضار والأطباق وكل الاستخدامات المنزليّة، بما يهدّد بمشاكل صحية خطيرة، بغياب المسؤولين المولجين متابعة الموضوع.
تعاون لحل الأزمة
يرجّح ضومط أن تتفاقم أزمة المياه خلال الأشهر الثلاثة المقبلة "نواجه خطرًا داهمًا وجفافًا تامًّا وتبعات صحيّة خطيرة، فعند انخفاض كميات المياه ترتفع نسبة التلوث بشكل كبير، فيلجأون إلى استخدام كميات أكبر من الكلور، وعند تفاعل مادة الكلور المستخدمة في تطهير المياه مع المواد العضوية الطبيعية الموجودة في الماء، تنتح مادة "ThM"(Trihalomethane) وقد ارتبط التعرّض لها بزيادة خطر الإصابة بالأمراض.
ضومط دعا وزارة الطاقة والمياه للتعاون ووضع خطط علميّة، والشروع في التطبيق "نحن على أتمّ الإستعداد للتعاون، ووضع خبراتنا وملفاتنا في عهدة رئاسة الجمهورية".
الحلول ممكنة
رغم أزمة المياه الخانقة والجفاف غير المسبوق، لا زالت الحلول متاحة، بدءًا بإصلاح الشبكات للحدّ من الهدر، وتحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالَجة للري والصناعة، والقيام بحملات توعية لترشيد الاستهلاك وتطبيق أنظمة حديثة في الزراعة مثل الري بالتنقيط، وصولًا إلى تفعيل الاستراتيجيّة الوطنيّة لإدارة الموارد المائية، وتعزيز الحوكمة والشفافيّة داخل مؤسسات المياه. أمّا إهمال أزمة المياه، وانتظار موسم الشتاء، فمن شأنه أن يفاقم المعضلة التي تتحول شيئًا فشيئًا إلى تهديد وجودي للأمن المعيشي والاقتصادي.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

نوال الأشقر Nawal al Achkar