يأخذ التوتر السياسي في
لبنان استراحة قصيرة جداً، بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من توجهات الحكومة ورئيسها نواف سلام، خصوصًا في ما يتعلق بملف سلاح
حزب الله.
هذا الملف، الذي يُعدّ الأكثر حساسية على الساحة
اللبنانية، يُطرح اليوم من زاوية جديدة داخل
مجلس الوزراء، حيث تتباين المواقف بشكل واضح حتى بين أركان الفريق المحسوب على رئيس الحكومة نفسه.
تصريحات الوزير طارق متري جاءت لتعكس هذا التباين، إذ أشار في حديثه الأخير إلى ما يُعرف بـ"ورقة براك" وقال انها سقطت، وهو طرح يعكس مقاربة مختلفة عن الخطاب الرسمي الذي يحاول نواف سلام الدفع به. لقاء متري مع
رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يكن أقل دلالة، إذ حمل إشارات واضحة على وجود تقاطعات سياسية تحاول أن تفتح قنوات تفاوض أو توازن بين ما يطرحه رئيس الحكومة وما تفرضه وقائع الداخل اللبناني.
في المقابل، يبدو أن نواف سلام مصرّ على الذهاب بعيدًا في هذا المسار، وهو ما لا يلقى الحماسة نفسها لدى رئيس الجمهورية
جوزيف عون. الأخير يدرك أن أي خطوة غير مدروسة قد تفتح الباب على أزمة كبرى، قد تبدأ بجدل سياسي في مجلس الوزراء، لكنها لن تنتهي عند حدوده. فملف السلاح لا يُدار بالنقاشات التقنية ولا بالتفاهمات الشكلية، بل هو صراع يتصل مباشرة بموازين القوى الداخلية والإقليمية.
الخلاف القائم اليوم لا يقتصر على المواقف، بل ينعكس أيضًا في طبيعة الحسابات السياسية لكل طرف. فسلام يريد أن يثبت أنه قادر على اتخاذ قرارات جريئة، خصوصًا أمام
المجتمع الدولي الذي يراقب أداء الحكومة عن قرب. أما رئيس الجمهورية، فيحاول التمسك بمقاربة أكثر حذرًا، مدركًا أن أي انزلاق قد يجر البلاد إلى مرحلة شديدة الخطورة، يكون الشارع مسرحها الأول.
من هنا، تتزايد المخاوف من أن يعود لبنان إلى مرحلة حاول كثيرون تأجيلها في الاسابيع الماضية، وهي مرحلة الصدام المباشر في الشارع. فكل المؤشرات تدل على أن أي تعثر أو تصلب في المواقف قد يترجم سريعًا بحركات احتجاجية وربما مواجهات ميدانية، خاصة أن الخطاب السياسي عاد إلى نبرته العالية، والاصطفافات تتشكل مجددًا بشكل متسارع.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة اختبار حقيقية: هل يتمكن رئيس الحكومة من فرض رؤيته في مجلس الوزراء؟ أم أن الموازين الداخلية ستجبره على التراجع أو التكيف مع مقاربة أكثر واقعية؟ الأكيد أن ما ستشهده جلسة الحكومة المقبلة سيكون محطة مفصلية، قد تمنح البلاد فسحة تهدئة مؤقتة، أو تفتح الباب على أزمة أوسع بكثير، يكون الشارع عنوانها الأبرز.