مع بداية عام 2026، لم يعد المشهد الإقليمي محكوماً بمنطق الترقّب الصامت، بل انتقل إلى مرحلة أكثر فجاجة تقوم على التلويح العلني بالتصعيد. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار نحو إيران، بوصفها محوراً لمقاربة أوسع تتجاوز كونها هدفاً لتصريحات أميركية –إسرائيلية متلاحقة، وتوحي بأن ما يُحضَّر يتخطّى حدود الضغط السياسي ورسائل الردع التقليدية. وعليه، عاد التهديد باستخدام القوة إلى الواجهة، لكن هذه المرة ضمن صيغة مركّبة، تقوم على مسارٍ موازٍ لا يقل خطورة: توظيف الداخل الإيراني كأداة ضغط مباشرة، في سابقة لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبنّيها، حين ألمح إلى "مفاجأة" تتخطّى الإطار العسكري الكلاسيكي.
في هذا السياق، اعتبرت مصادر عسكرية مطّلعة أنّ التصعيد
الإسرائيلي في جنوب
لبنان والبقاع
الغربي مع مطلع العام الجديد لم يأتِ كحدث منفصل، وعليه فإنّ الغارات المحدودة تحمل في طياتها سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام وتيرة محسوبة تهدف إلى إبقاء الجبهة
اللبنانية تحت السيطرة، أم أنها مجرّد تمهيد لمشهد أوسع قد يتجاوز هذه المناطق؟ ترى المصادر أنّ الإجابة لا تبدو محسومة حتى اللحظة، بل تبقى رهن تبلور الإشارات الإقليمية والدولية التي ستحدّد اتجاه المرحلة المقبلة.
بالتوازي، يسود خطاب إعلامي إسرائيلي وغربي، شارك فيه أيضاً جزء من الإعلام اللبناني، يروّج لفكرة "الضوء الأخضر" الذي منحه
ترامب لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لشنّ هجوم جديد. غير أن القراءة الأعمق لهذا الخطاب تكشف محاولة لتهيئة الرأي العام أكثر مما تعكس قراراً نهائياً. فبحسب المصادر، يجري تداول سيناريو يقوم على ضرب ما يُسمّى "أذرع إيران" في المنطقة أولاً، مع وضع لبنان في مقدّمة هذا المسار، وتحديداً عبر استهداف "
حزب الله" وقدراته. إلا أن المصادر نفسها تلفت إلى أن ترامب طلب من نتنياهو التريّث، بانتظار انتهاء قنوات التواصل القائمة مع الجانب اللبناني، ما يفتح باب التحليل حول طبيعة هذه الاتصالات وحدودها، وما إذا كانت تهدف إلى الاحتواء أم إلى كسب الوقت لا أكثر.
ضمن هذا المشهد، يبرز حديث عن ضربة ثلاثية محتملة تطال إيران ولبنان والضفة الغربية في فلسطين المحتلة، في محاولة لإعادة خلط الأوراق دفعة واحدة. لكنّ هذا الطرح يصطدم بتجربة قريبة لم تخرج بنتائجها كما خُطِّط لها. فحرب الأيام الاثني عشر شكّلت اختباراً قاسياً للعدو الإسرائيلي، سواء على مستوى الجبهة الداخلية أو القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية واضحة، حيث لم ينجح خلالها مخططه لإسقاط النظام الإيراني، وفشل أيضاً في شلّ القدرات العسكرية كما كان مأمولًا، ما دفع
واشنطن و"تل أبيب" إلى البحث عن أدوات بديلة أقلّ كلفة مباشرة.
ولفتت المصادر الى أن سلاح
العقوبات والضغط الاقتصادي عاد إلى الواجهة، مقروناً بمحاولة خنق إيران عبر الحصار وتحريك الشارع من الداخل. وفي هذا المناخ شكّل تهديد ترامب العلني بالتدخل في الشأن الداخلي الإيراني تصعيداً بحد ذاته، استدعى ردّاً عالي السقف من أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الذي حذّر بوضوح من أن أي عبث بالداخل الإيراني لن يبقى محصوراً ضمن حدوده، بل سيزعزع أمن المنطقة بأكملها. من هُنا جاءت الرسالة
الإيرانية مباشرة مفادها أنّ اللعب على خط الداخل خط أحمر، وتداعياته لن تكون قابلة للاحتواء.
في المقابل، لا تُخفي طهران، بحسب التسريبات، استعدادها للدخول في تفاوض عادل يحفظ كرامتها ومصالحها، لكنها في الوقت نفسه تضع كل الاحتمالات العسكرية على الطاولة. وفي هذا الإطار، لا يُقرأ التهديد بردّ "مفاجئ" بوصفه مجرّد شعار، بل كجزء من معادلة ردع مدروسة تهدف إلى رفع كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة.
من هنا، يتمحور السؤال حول ما إذا كان الثنائي الأميركي – الإسرائيلي يملك ترف فتح النار في لحظة إقليمية بهذا التعقيد، أم أن كل هذا التصعيد يبقى ضمن إطار الضغوط القصوى من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؟ المؤكد أن المنطقة تقف على حافة اختبار جديد، وأن ما سيُحسم في الأسابيع المقبلة لن يتوقف عند حدود إيران أو لبنان، بل سيطال شكل التوازنات الإقليمية برمّتها، بين خيار الاحتواء القسري أو الانفجار المفتوح.