العلاقات بين
لبنان وسوريا دخلت مرحلة جديدة، محمّلة بآمال كبيرة وتحديات معقّدة على الأرض. هذا التحوّل الجذري أعاد رسم المشهد السياسي بين البلدين الجارين، بعد عقود من النفوذ والهيمنة
السورية المباشرة في
بيروت، وفتَح الباب أمام شراكة أرفع مستوى من التنسيق الرسمي، لكنها اصطدمت سريعاً بأزمات لامست ملفات حسّاسة، تمسّ السيادة والإنسانية والذاكرة الجماعية لدى شعبي البلدين.
وكتبت دوللي بشعلاني في" الديار": وفي قراءة موضوعية لأسباب استمرار التوتّر، تعتبر مصادر سياسية مطلعة أنّ التوتّر لا يمكن فهمه فقط كخلاف حول نصوص قانونية، بل هو جزء من بناء علاقة متوازنة بين دولتين جارتين، تتشاركان تاريخاً معقّداً. وثمّة تفاوت في توقّعات كلّ طرف عن طبيعة العلاقة القانونية المقبلة، حيث تضع دمشق تركيزاً أكبر
على استعادة مواطنيها، ومساءلة من تعتبرهم مطلوبين لديها، بينما تميل بيروت إلى التمسك بالإجراءات القانونية القائمة واحترام استقلاليتها القضائية. وهذا التصادم في المفاهيم لا يقلّ أهمية عن الفجوة في المصالح السياسية والتوازنات الإقليمية، وهو ما يجعل التوصل إلى اتفاق قضائي شامل بين البلدين، أكثر تعقيداً من مجرد صياغة نص قانوني.
وعلى الرغم من الخلافات في اجتماعات اللجان المشتركة، تلفت المصادر السياسية الى أنّ الحكومتين
اللبنانية والسورية حاولتا إعادة ترميم العلاقات، على أساس من الاحترام المتبادل والسيادة المشتركة، وهو تحوّل مهم بعد سنوات من الممارسة التي اتسمت بتدخّل مباشر لصالح نظام
الأسد في الشؤون اللبنانية.
وفي هذا السياق، زار
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بيروت لأول مرة منذ سقوط النطام، في 10 تشرين الأول الفائت، ما اعتُبر مؤشراً قويّاً على رغبة دمشق في تعاون عملي وواضح على ملفات متداخلة. وقد تجسّدت هذه الرغبة في إطلاق لجان مشتركة، لمعالجة
القضايا الأساسية بين البلدين، وهو ما سبق الإعلان عنه في أيلول من العام الفائت، حينما كشف الطرفان عن لجنة لمعالجة ثلاثة محاور رئيسة هي: ملف المعتقلين السوريين في لبنان، والمفقودين اللبنانيين في
سوريا، وترسيم الحدود بين البلدين.
ورغم هذه الخطوة النوعية، حصل بطء في تنفيذ ما تمّ الإتفاق عليه، خصوصاً في ما يتعلق بالترتيبات القانونية، لاتفاقية التعاون القضائي بين البلدين، التي كان يُفترض أن يتمّ إنجازها خلال زيارة الوفد اللبناني برئاسة
نائب رئيس الحكومة طارق متري إلى دمشق في 20 تشرين الثاني المنصرم، أو الخروج من حالة "التفاهم النظري" إلى تنفيذ عملي ملموس.
وتشير المصادر السياسية إلى أنّ التوتّر المتصاعد داخل اللجان المشتركة بين البلدين، ألقى بثقله على العلاقات الثنائية، غير أنّه لا يعني بالضرورة انهيارا كاملاً للعلاقات اللبنانية – السورية، أو وصولها إلى طريق مسدود، لكنه يشير بوضوح إلى وجود اختلافات جوهرية في الأولويات والطموحات بين الطرفين. فبينما تسعى سوريا إلى تسريع تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه ،خصوصاً في ملفات تتعلق بالأمن والسيادة، تميل بيروت إلى التركيز على الأطر القانونية وضمانات حقوقية قبل أي تسليم أو تنفيذ عملي.