تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

أي حرية نريد؟ لبنان في مواجهة تآكل القيَم الاجتماعية!

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
04-01-2026 | 04:30
A-
A+
Doc-P-1463558-639031124627254317.jpg
Doc-P-1463558-639031124627254317.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
يشهد لبنان اليوم تحوّلاً لافتاً في مقاربة القيم الاجتماعية، يعكس تراجعاً تدريجياً في الضوابط التي حكمت التوازن داخل مجتمع متعدّد وحسّاس في تركيبته. هذا المسار برز بوضوح مع انتشار مقطع مصوّر من أحد أماكن السهر، انتقل سريعاً من إطار ضيّق إلى مساحة عامة، وأثار نقاشاً واسعاً بين من تلقّاه بوصفه تعبيراً عن حرية شخصية، ومن اعترض عليه انطلاقاً من موقعه في الفضاء العام وما يحمله من دلالات تتجاوز الفعل الفردي. عند هذا الحد، خرج النقاش من توصيف سلوك معيّن إلى مساءلة أعمق لمعنى الحرية وحدودها، ولقدرة المجتمع على حماية توازنه الداخلي في ظل تآكل المعايير التي تنظّم العلاقة بين الفرد والمجال العام.

ولعلّ الحرية الشخصية، في أي مجتمع، ترتبط دائماً بسياقها العام، إذ لا يمكن فصلها عن المكان الذي تُمارَس فيه، ولا عن القانون، ولا عن الحدّ الأدنى من القيم المشتركة التي تجعل العيش المشترك ممكناً. وعندما تُنتزع الحرية من هذا الإطار، تتحوّل تدريجياً من حق فردي إلى أداة فرض، ومن مساحة تعبير إلى مصدر صدام دائم. عندها، يفقد مفهوم الحرية وظيفته الجامعة، ويغدو ممارسة معزولة تُقاس برغبة الفرد وحدها، لا بتأثيرها على المجتمع ككل.

وفي هذا الإطار، يبرز النموذج اللبناني بوصفه حالة خاصة. فلبنان، بتنوّعه الديني والثقافي، لم يكن يوماً مساحة سائبة، بل قام تاريخياً على توازن دقيق بين الاختلاف والضوابط، وبين الانفتاح والاحترام المتبادل. ومن هذا المنطلق، لم يكن الانفتاح مرادفاً لكسر كل الخطوط دفعة واحدة، كما لم يشكّل التعدّد غطاءً للفوضى أو الإلغاء. وعندما يتحوّل مطعم أو شارع أو مكان سهر مفتوح إلى مساحة يُفرض فيها سلوك صادم على الجميع، ينتقل النقاش تلقائياً من حرية فرد إلى فرض نموذج على مجتمع كامل، وهو انتقال يحمل مخاطر عالية في بلد يقوم أساساً على تسويات دقيقة تحمي تماسكه الداخلي.

الأخطر في هذا المسار يتمثّل في الخطاب الذي يختصر كل النقاش بشعار الحرية الشخصية، ويقدّمه كأنه حصانة أخلاقية وقانونية. وبذلك، يعفي هذا الخطاب نفسه من أي مساءلة، ويتعامل مع الاعتراض كأنه اعتداء، في حين أن الواقع مختلف تماماً. فعندما تُمارَس الحرية من دون مسؤولية، تنتج انحلالاً اجتماعياً، وعندما تُفصل عن أي إطار، تتحوّل إلى استفزاز، وحين تُنزَع من سياقها العام، تصبح أداة كسر بدل أن تكون مساحة تعايش. وعند هذه النقطة، يكمن الخطر الحقيقي، ليس على القيم فحسب، بل على فكرة المجتمع نفسها.

وفي هذا السياق، يبرز خلط متعمّد بين الحياة الشخصية والفضاء العام، إذ إن الاعتراض المطروح لا يتعلّق بخيارات فردية داخل مساحات مغلقة، ولا بتدخّل في حياة الأفراد، بل بما يُفرض على المجال المشترك. وعندما يحصل فعل ما في مكان عام، أمام أشخاص لم يختاروا المشاركة فيه، ثم يُنقل عبر الفضاء العام إلى مجتمع كامل، يصبح النقاش مشروعاً وضرورياً. ومن هنا، يكتسب الفضاء العام صفته كملكية جماعية، وتغدو حمايته مسؤولية مشتركة لا يمكن اختزالها بوصفها وصاية.

إلى جانب ذلك، تُستخدم حجّة وجود قضايا أهم كوسيلة لإسكات أي نقاش اجتماعي، إذ يُطرح الحديث عن الانهيار والحرب والفقر وكأنه مبرّر لتهميش القيم وتأجيلها. غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن القضايا الكبرى لا تنفصل عن السلوك اليومي، ذلك أن المجتمع الذي يتآكل أخلاقياً وثقافياً يفقد قدرته على الصمود سياسياً واقتصادياً بوتيرة أسرع، باعتبار أن التماسك الداخلي يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات.

ما يواجهه لبنان اليوم ليس صراعاً بين حداثة وتخلّف، ولا بين حرية وقمع، بل صراع على المعنى والحدود. فإمّا مجتمع يحمي تنوّعه ضمن قواعد مشتركة، أو مساحة مفتوحة لكل أشكال الفرض تحت شعارات فضفاضة. وعليه، يصبح الدفاع عن القيم شرطاً أساسياً لبقاء أي مجتمع قادر على مواجهة معاركه الكبرى قبل أن يخسرها من الداخل.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj