كتب دافيد عيسى في صحيفة "الشرق"
لفتني، كما الكثيرين، البيان الأخير الذي أصدره رئيس الحكومة الأسبق
نجيب ميقاتي، في أعقاب الضجيج الذي رافق ما سُمّي بـ«تنصيبة أبو عمر» وإخوانه.
لقد وضع بيان
ميقاتي حدًا لـ«القال والقيل»، واضعًا حدًا للسجالات العقيمة التي أُثيرت حول تأثير هذه القضية على الاستشارات النيابية التي أجراها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والتي أفضت إلى تكليف الرئيس نواف سلام
لم يكن البيان مجرّد توضيح، بل شكّل موقفًا سياسيًا متقدّمًا وراقيًا في لحظة دقيقة من تاريخ
لبنان، وعكس قدرة الرجل على الابتعاد عن المهاترات التي لا تؤدي إلا إلى خلافات جانبية لا طائل منها.
إن موقف
الرئيس ميقاتي يدلّ بوضوح ان مواقفه غير محصورة بأفق ضيق أو بحسابات آنية.
فقد أعلن بصدق وشفافية أن ما رافق الاستشارات من تصريحات وشهادات بات من الماضي، مؤكدًا أنه غير معني بأي سجال أو نقاش حول هذا الملف، لا من قريب ولا من بعيد.
وهذا الموقف، أقلّ ما يُقال فيه، إنه يعكس وعيًا وطنيًا ومسؤولية عالية.
فقد رفض ميقاتي الدخول في سجال دونكيشوتي أو استهلاك طاقة سياسية لا جدوى منها، موجّهًا إلى من يعنيهم الأمر رسالة واضحة مفادها أنه باقٍ في الحياة السياسية، متمسكًا بالثوابت الوطنية والمبادئ الأخلاقية التي لا تخضع لظرف زماني أو مكاني.
واللافت في موقفه أيضًا تأكيده دعم المؤسسات الشرعية، والدعوة إلى قيام دولة كاملة المواصفات، بكل ما تختزنه من معانٍ سيادية غير قابلة للمساومة.
وهنا وضع الرجل الأمور في نصابها الصحيح، من دون محاولة الاستثمار في التناقضات أو الالتباسات التي رافقت هذه المرحلة.
بل شدّد على ضرورة استمرار الحكومة في عملها وفق بيانها الوزاري، وتحمل مسؤولياتها الدستورية في هذا الظرف الدقيق والمصيري، مذكّرًا بأهمية بسط سلطة
الدولة على كامل الأراضي
اللبنانية، وحصر السلاح بيد الجيش، ومعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعكس تقديمه ضرورات الدولة على أي حسابات سياسية شخصية.
كما خرج البيان عن نمط البيانات التقليدية الخالية من روح المسؤولية، تلك التي تكتفي بالانتقاد السلبي، ليكون بيانًا هادفًا يضع المصلحة الوطنية فوق أي خلاف أو اعتبار.
إن هذا الموقف يشكّل رسالة بالغة الأهمية في بلد يرزح تحت ضغوط اقتصادية وسياسية متعدّدة، ويقدّم مثالًا على أن السياسة يمكن أن تكون فعل مسؤولية وطنية قبل أن تكون لعبة حسابات شخصية.
وهو نموذج لكيفية تحويل الانسحاب من سجالات مستهلكة إلى فرصة لتعزيز الاستقرار، وتركيز الاهتمام على ما يهم المواطن والدولة، بدل الانشغال بخلافات لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام والتوتر، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى كل كلمة سواء.
لقد أظهر البيان حرص الرئيس ميقاتي على قيام دولة قوية ومتعافية، قادرة على بسط سلطتها على كامل التراب اللبناني، وحصر السلاح بيد
الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، إلى جانب معالجة شفافة للملفات الاقتصادية والمالية.
وأثبت مجددًا أنه رجل يعرف متى يتكلم، ومتى يلتزم أصول الصمت، ومتى يكون هذا الصمت موقفًا بحدّ ذاته.