تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بعد "عيدية العتمة" من الحكومة.. نموذج جديد للكهرباء ينتشر فهل ينجح؟

جاد حكيم - Jad Hakim

|
Lebanon 24
09-01-2026 | 09:30
A-
A+
Doc-P-1465888-639035461764048964.png
Doc-P-1465888-639035461764048964.png photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
بين عامَي 2021 و2026، تراجعت التغذية الكهربائية الرسمية إلى حدود ساعة واحدة يومياً، فترسّخ الاعتماد على البدائل داخل الأحياء. ومع هذا الانكماش، خرج النقاش من إطار كلفة الاشتراك ونوعية التيار إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك القدرة على إنتاج الكهرباء وكيف يمكن توزيعها بعدل داخل المبنى والحيّ، في بلد باتت الطاقة فيه مرآةً يومية للفوارق بين القادرين وغير القادرين. وسط هذا المشهد، تراجعت المولدات في بعض المناطق مع انخفاض عدد المشتركين واتجاه كثيرين نحو الطاقة الشمسية، فبرزت الطاقة الجماعية كتحوّل غير مسبوق بعد مرحلة مولّد الحيّ. في نموذج المولّد، الإنتاج مركزي والزبائن متفرقون، وكل شقة تشتري حصتها منفردة. أما الطاقة الجماعية فتعكس منطقاً معاكساً يقوم على إنتاج موزّع وملكية أو إدارة مشتركة، حيث يتحوّل المستهلكون إلى شركاء في القرار والتمويل وتقاسم الفائض.
 
How solar power is keeping Lebanon's lights on

الصدمة المفصلية كانت في 2022، حين دفع رفع الدعم الناس إلى تسريع التحول نحو الشمس. ومعها ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 21 بالمئة من إجمالي الطاقة المزوّدة بحلول نهاية 2022. ولم يكن التوسع محصوراً بانتشار الألواح، إذ سُجلت إضافات تقارب 777 ميغاواط في 2021 و2022، ثم تجاوزت القدرة التراكمية للطاقة الشمسية 1000 ميغاواط بنهاية 2023، وارتفعت أكثر حتى نهاية 2025. دلالة هذه الأرقام تتجاوز قياس الأحجام التقنية، فهي تعني أن قاعدة إنتاج الطاقة خرجت من احتكار واحد ودخلت إلى آلاف الأسطح، ما يفتح الباب تلقائياً أمام تقاسم الإنتاج داخل مبنى أو مجموعة مبانٍ بدل أن يبقى كل منزل أسيراً لحل منفرد. هذه الكمية حسب خبراء الطاقة، دفعت أصحاب الطاقة ذات الانتاجية الوفيرة إلى إحياء فكرة "التخزين". فحين تصل حصة البطاريات إلى نحو 65 بالمئة من القدرة المركبة، يصبح الهدف أبعد من تشغيل الأجهزة وقت الشمس فقط، نحو بناء قدرة على توزيع الكهرباء زمنياً بين النهار والليل. وهذا هو جوهر أي حل جماعي يريد ضمان الاستمرارية للجميع لا للأقدر على الدفع وحده.
 
Lebanon's solar energy transformation - Nowlebanon

في الخلفية، كان ميزان السوق يتبدّل بوضوح. حصة كهرباء لبنان تراجعت من 38 بالمئة عام 2018 إلى 12 بالمئة عام 2022، مقابل صعود المولدات الخاصة إلى 47 بالمئة في 2022. هذا التحول يفسّر لماذا بدأ الناس يبحثون عن بديل ثالث، ليس الدولة وحدها ولا المولّد وحده، بل منظومة محلية تتشارك الإنتاج وتقلّص الاعتماد على الوقود. على المستوى القانوني، فتح قانون الطاقة المتجددة اللامركزية رقم 318 لعام 2023 الباب أمام الصيغة الأكثر وضوحاً للطاقة الجماعية عبر القياس الصافي الجماعي والقياس لعدة مستأجرين. عملياً، يصبح بإمكان مبنى واحد أن يتعامل كوحدة طاقوية واحدة، ويحسب الإنتاج والاستهلاك بطريقة تسمح بتقاسم الفائض بدل هدره أو حصره بمن يملك السطح. كما يتيح القانون تبادل الكهرباء مباشرة بين جهات خاصة ضمن العقار أو بين عقارات متجاورة، ويتيح أيضاً التبادل عن بُعد عبر ترتيبات التمرير باستخدام شبكة كهرباء لبنان، وهي النقطة التي تنقل الطاقة الجماعية من مستوى المبنى إلى مستوى الحيّ لأن التمرير يجعل المشاركة ممكنة حتى عندما يكون الإنتاج في مكان والاستهلاك في مكان آخر.
 
في قلب فكرة الطاقة الجماعية، لا يعود "السطح" مجرد مساحة مهملة فوق المبنى، بل يتحوّل إلى أصلٍ مشترك يُدار كما تُدار أي ملكية جماعية، من خلال قرار، وموازنة، وصيانة، وتوزيع حصص. هنا تتبدّل اللغة اليومية للسكان؛ من "اشتراك" و"فاتورة" إلى "حصة" و"إدارة" و"تقاسم". حتى الخلافات التي كانت تدور حول أمبيرات المولّد، تُستبدل بنقاشات أكثر تنظيمًا حول حجم الاستثمار، وجدول الصيانة، وكيفية احتساب الفائض. والأهم أن الطاقة الجماعية تُعيد تعريف العدالة داخل المبنى نفسه. ففي نموذج "الشمس الفردي"، من يملك السطح أو يملك القدرة على الدفع يضمن طاقةً أكبر، بينما يبقى الآخرون على هامش الحل. أما في النموذج الجماعي، فيصبح الهدف تحويل الإنتاج إلى خدمة مشتركة تُخفّف الفوارق بين الشقق، خصوصًا عندما يقترن ذلك بالتخزين الذي يسمح بتوزيع الطاقة على ساعات الليل والنهار.
 
How Lebanon's crisis sparked a solar power revolution

اقتصاديًا، تقدّم هذه الصيغة حلولا جذرية تتمثل بتخفيض فاتورة الوقود من جهة، وتثبيت كلفة الطاقة على مدى أطول من جهة أخرى. فالمولّد يرتبط بسعر المازوت وتقلباته، أما منظومة شمسية جماعية فترتبط أكثر بكلفة تركيب وصيانة موزّعة على عدد أكبر من الشقق. وعلى مستوى الحيّ، تتحوّل الطاقة الجماعية إلى ما يشبه "شبكة اجتماعية للكهرباء". فحين يصبح التمرير ممكنًا يستطيع مبنى يملك إنتاجًا فائضًا في نقطة ما أن يغذّي استهلاكًا في نقطة أخرى، فتظهر إمكانات جديدة للتعاون بين الجيران بدل أن يبقى كل مبنى جزيرة مستقلة. وهذه النقلة بالذات هي التي تمنح التحول بعدًا حيويًا، لأنها تربط الطاقة بالسلوك الاجتماعي وبالثقة المتبادلة وبقدرة المجتمع المحلي على تنظيم نفسه. في هذا السياق، يقول جهاد بيطار، أحد القائمين على مشروع الطاقة الجماعية في مبنى سكني في منطقة الجبل لـ"لبنان24" إن الفكرة بدأت "كسؤال بسيط بين الجيران: لماذا يدفع كل واحد منا وحده ثمن حلّ فردي إذا كان بإمكاننا أن ننتج ونخزّن ونتقاسم؟". ويشرح بيطار أن السكان شكّلوا لجنة صغيرة لجمع الأرقام وتحديد الحصة لكل شقة وفق الاستهلاك، ثم اتفقوا على آلية صيانة ومحاسبة شهرية "حتى لا تتحول الشراكة إلى خلاف دائم".ويضيف أن الفرق الأكبر ظهر بعد تركيب التخزين، إذ "لم تعد الكهرباء مرتبطة بساعات الشمس فقط، صار في إمكاننا توزيعها على الليل والنهار بشكل أعدل، ومع الوقت انخفض اعتمادنا على المولّد وضجيجه ورائحته، والأهم أن القرار لم يعد بيد مزوّد واحد بل بيد سكان المبنى".
ومع كل ذلك، تبقى التجربة محكومة بسؤال الحوكمة: من يدير؟ ومن يراقب؟ وكيف تُحلّ النزاعات؟ الطاقة الجماعية لا تنجح فقط بالألواح والبطاريات، بل بقواعد واضحة، من خلال قياس شفاف، آلية محاسبة مفهومة، وصيغة إدارة تمنع تحويل "الشراكة" إلى احتكار جديد داخل المبنى. فكلما كانت هذه القواعد أبسط وأكثر عدلاً، زادت فرص أن تتوسع التجارب من حالات محدودة إلى نموذج يتكرر في أحياء متعددة، بدل الاعتماد على وعود حكومية كان آخرها ما أهدته حكومة الرئيس نواف سلام للبنانيين خلال موسم الأعياد ألا وهي "عيدية العتمة".
 
خلاصة التحول أن لبنان بدأ ينتقل من اقتصاد اشتراك يقوم على شراء الطاقة من مولّد، إلى اقتصاد مشاركة يقوم على تقاسم الإنتاج وإدارته داخل المجتمع المحلي. الفرق الجوهري أن المولّد يبيعك كهرباء، بينما الطاقة الجماعية تعيد تعريفك كمساهم في إنتاجها وتوزيعها، وتفتح فرصة لتخفيف التلوث والضجيج المرتبطين بالمولدات كلما توسّعت الشبكات الشمسية اللامركزية.
Advertisement
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد حكيم - Jad Hakim