ذكرت مجلة "Foreign Policy" الأميركية أن "الحكومة اللبنانية تقف الآن عند مفترق طرق حاسم في جهودها الحيوية لنزع سلاح حزب الله واستعادة سيطرتها الكاملة على البلاد. ورغم الشكوك الدولية الكبيرة، فقد أنجزت الحكومة المرحلة الأولى من عملية نزع السلاح المخطط لها على خمس مراحل. وبناء على هذه الخطة، من المتوقع نزع سلاح حزب الله في نهاية المطاف في كل أنحاء البلاد، بدءًا من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى الحدود الإسرائيلية ثم التقدم شمالًا وشرقًا".
وبحسب المجلة، "بحسب مصادر عسكرية أميركية، فقد سيطر الجيش، ولأول مرة منذ 40 عاماً، على العمليات جنوب نهر الليطاني، وقام بتطهير مساحات واسعة من المنطقة مع زيادة انتشار أكثر من 9000 جندي، كما عززت الحكومة سيطرتها على مطار
بيروت، الذي كان في السابق مركزاً رئيسياً لتهريب البضائع تحت سيطرة حزب الله، ويستجيب الجيش يومياً لطلبات التحرك عبر آلية تقودها
الولايات المتحدة، أُنشئت لمراقبة وقف إطلاق النار والتحقق منه والمساعدة في تنفيذه. وبحلول منتصف تشرين الأول، أزال الجيش ما يقرب من 10000 صاروخ و400 قذيفة. ومؤخراً، تغلب على تردده السابق في تفتيش الممتلكات الخاصة، فدخل عدة منازل خاصة للبحث عن أسلحة، وذلك عقب مزاعم إسرائيلية بتخزين أسلحة فيها".
وتابعت المجلة، "أدى تفكك حزب الله إلى قلب الوضع الراهن الذي استمر لعقود، والذي سمح لهذا الكيان غير الحكومي بفرض سيطرته على الحكومة، متجاوزاً بذلك القرارات السيادية المتعلقة بالحرب والسلام. مع ذلك، إذا تراجع الزخم وراء وقف إطلاق النار الحالي الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، فقد يدفع ذلك
إسرائيل ولبنان مجدداً إلى الصراع، ويقوض مكاسب الاستقرار الهشة في بلاد الشام. في الواقع، لدى البلاد فرصة تاريخية للحكومة اللبنانية الإصلاحية لإعادة تأكيد سلطة الدولة وإرساء إصلاحات منهجية، إلا أن هذه الفرصة تضيق بسرعة وسط احتمالية شن هجوم إسرائيلي متجدد، وتوقف الإصلاحات الداخلية، وفقدان الشعب اللبناني للأمل بشكل سريع".
ورأت المجلة أنه "لاغتنام هذه الفرصة المحدودة زمنياً لتحقيق السلام، يتعين على
لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة اتخاذ إجراءات خلال الثلاثين إلى التسعين يوماً المقبلة، وينبغي على لبنان مضاعفة جهوده في المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح، وإشراك المجتمع الشيعي، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية جوهرية. وينبغي لإسرائيل إعادة النظر في نهجها تجاه لبنان، والاعتراف بالتقدم المحرز في مجال نزع السلاح من خلال تنفيذ تدابير بناء الثقة والاستثمار في قناة المفاوضات المباشرة، ويتعين على الولايات المتحدة الضغط على الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية لاتخاذ هذه الخطوات، مع حشد الدعم الدولي لبيروت. وينبغي على الحكومة اللبنانية أن تغتنم فرصة أن تكون هذه فرصتها الأخيرة لوضع لبنان على طريق الاستقرار والازدهار. في الواقع، إن أقوى أدوات الحكومة هي الجيش، المؤسسة الوطنية اللبنانية الأكثر احتراماً، وكخطوة تالية، ينبغي على الحكومة الإسراع في وضع اللمسات الأخيرة على خطتها للمرحلة الثانية، وتحديد جدول زمني واضح لنزع سلاح حزب الله بين نهري الليطاني والأولي".
وبحسب المجلة، "منذ بدء وقف إطلاق النار، لم تتوافق الجداول الزمنية اللبنانية والإسرائيلية، ويجب معالجة خطر تعارض الجدول الزمني
الإسرائيلي الأقصر مع النهج التدريجي للحكومة اللبنانية. ونظرًا لهذه الحساسيات، ينبغي للحكومة اللبنانية استخدام الآلية التي تقودها الولايات المتحدة كقناة آمنة لإطلاع الإسرائيليين على تفاصيل المرحلة الثانية، مع طلب آرائهم والاعتماد في الوقت عينه على الولايات المتحدة للقيام بدور وساطة رئيسي. لدى الحكومة اللبنانية قصة إيجابية ترويها بشأن جهودها في مجال نزع السلاح، ينبغي عليها أن تكون أكثر صراحةً وتفصيلاً في إيصال تفاصيل إجراءاتها المتعلقة بنزع السلاح لتفنيد اتهامات المماطلة. من جانبه، اتخذ حزب الله، حتى الآن، قراراً بتقييد المواجهة في الجنوب، لكن المرحلة الثانية قد تحمل تحديات متزايدة مع توسيع الجيش نطاق مهمته في نزع السلاح".
وتابعت المجلة، "لكي تنجح جهود نزع السلاح التي تبذلها الحكومة، لا بد من التواصل مع المجتمع الشيعي، بهدف إثبات أن الحكومة بديلٌ أكثر موثوقية من حزب الله. ويُعدّ موافقة مجلس النواب في كانون الأول على قرضٍ من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لتلبية احتياجات إعادة الإعمار في الجنوب بدايةً مهمة. وستكون التدابير الإبداعية الأخرى، بما في ذلك جهود الشتات اللبناني ومحاولات بناء مخارج اقتصادية، كجزء من هذا النهج الشامل، ضرورية. وينبغي على الحكومة وقادة الأحزاب السياسية التركيز على الإصلاحات التي طال انتظارها، وإعطائها الأولوية نفسها التي تُعطى لنزع سلاح حزب الله. إن الدولة الأقوى ذات المؤسسات الأكثر شفافية ومساءلة، والتي تحظى بدعم كل الطوائف، هي أفضل سبيل للحد من نفوذ حزب الله".
وأضافت المجلة، "إن قلق الولايات المتحدة بشأن تمويل حزب الله غير المشروع يتقاطع مع هاتين الأولويتين. فقد أدى انهيار القطاع المصرفي اللبناني إلى تدمير ثقة الجمهور، وإلى صعود اقتصاد نقدي قائم على الدولار، مما يسهل الفساد. إن القضاء على محال الصرافة مثل القرض الحسن وتوفير بدائل للمودعين الشيعة الصغار الذين يضعون أصولهم في هذا النظام المصرفي غير الرسمي يمكن أن يساعد في إثبات جدوى البدائل الحكومية للمؤسسات التي يديرها حزب الله مع عدم السماح بحدوث عمليات تمويل غير مشروعة في الخفاء. وأخيرًا، تُعدّ رغبة الحكومة في الدخول في مفاوضات دبلوماسية مباشرة مع إسرائيل تنازلاً تاريخيًا، فهي تُشير إلى استعدادٍ بالغ الأهمية لوضع نزع سلاح حزب الله في سياق نقاش أوسع حول الأمن وتمديد شروط وقف إطلاق النار. وتُوفّر هذه القناة وسيلةً ضروريةً لبناء الثقة بين الأطراف التي لا تعرف بعضها في الواقع، ويمكنها في نهاية المطاف أن تُشكّل البنية التحتية للمفاوضات المستقبلية بشأن كافة
القضايا. لذا، ينبغي إيلاء هذه القناة الأولوية ودعمها".
وبحسب المجلة، "يتجاهل الجيش الإسرائيلي، بشكل غير عادل، جهود الجيش اللبناني لفرض سيطرته العملياتية جنوب نهر الليطاني، ويواصل شنّ غارات منتظمة رغم وقف إطلاق النار، ويُلوّح بتهديد التصعيد ليس فقط في الجنوب، بل في كل أنحاء البلاد. في الواقع، ينظر الجيش الإسرائيلي إلى هذه الإجراءات كشكل من أشكال الضغط، لكنها في نهاية المطاف تُقوّض الحكومة اللبنانية، بينما تُعزّز في الوقت نفسه مبررات حزب الله لاستمراره في امتلاك السلاح. في الواقع، تُعدّ الدولة اللبنانية القوية التي تُبسط نفوذها في كل أنحاء البلاد أفضل ضمانة لإسرائيل ضد عودة حزب الله، كما تُوفر لها الوسائل اللازمة لعزلها عن أي هجمات مستقبلية. لذا، ينبغي على إسرائيل أن تُعطي الأولوية لتحويل المكاسب الأمنية، أي القضاء على حزب الله، إلى انتصارات استراتيجية دائمة. إن تركيز إسرائيل بشكل شبه حصري على العمليات العسكرية يُعرّض أمنها الطويل الأمد لخطر التقويض، ويُهيئ الظروف لظهور نسخة جديدة من حزب الله".
وتابعت المجلة، "ثانياً، ينبغي على إسرائيل أن تعترف بالخطوات التي اتخذتها الحكومة والجيش في الجنوب، بما في ذلك نشر المزيد من القوات بشكل كبير، وتطهير مساحات شاسعة من الأراضي، وتأمين البنية التحتية العسكرية والأسلحة، والتفتيش المتأخر على الممتلكات الخاصة، وتحسين تأمين الحدود مع
سوريا. ثالثًا، ينبغي لإسرائيل اتخاذ تدابير لبناء الثقة بعد انتهاء المرحلة الأولى وبدء المرحلة الثانية، وقد تشمل هذه التدابير خفض وتيرة الغارات داخل لبنان، والانسحاب من أحد المعابر الحدودية الخمسة التي تسيطر عليها، أو وقف تحليق طائراتها المسيّرة باستمرار فوق المناطق المأهولة. وفي نهاية المطاف، سيتعين على إسرائيل تسهيل عودة المدنيين اللبنانيين النازحين إلى الجنوب، والسماح لهم بإعادة بناء منازلهم دون خوف من الغارات الجوية. وأخيرًا، يتعين على إسرائيل الاستثمار بجدية في القناة الدبلوماسية التي أُنشئت كجزء من آلية تنفيذ وقف إطلاق النار، وستُسهم هذه الفرصة الفريدة للتواصل المباشر مع المسؤولين اللبنانيين في بناء الثقة وتعميق فهم إسرائيل للمصالح والدوافع اللبنانية. إن الانخراط الثنائي العملي الذي يُعزز المصالح المشتركة في الاستقرار والازدهار هو أفضل استراتيجية لإضعاف قوة حزب الله بشكل دائم، وبالتالي إضعاف النفوذ الإيراني".
ورأت المجلة أنه "يتطلب استثمار واشنطن الاستراتيجي في وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان قيادةً مستدامةً ورأس مال سياسي، ويتمتع سفير إدارة دونالد ترامب الجديد لدى لبنان بموقع فريد لتنفيذ سياسة الإدارة. لقد كان للدبلوماسية الأميركية دورٌ محوريٌّ في تمهيد الطريق لصنع السلام، ولعبت واشنطن دوراً أساسياً في تيسير التواصل المباشر بين لبنان وإسرائيل، ويجب عليها مواصلة رعاية هذا التواصل وتهيئة بيئةٍ حاضنةٍ له، وذلك بتشجيع الصبر والانخراط البنّاء من كلا الجانبين. ثانيًا، ينبغي للولايات المتحدة إعطاء الأولوية للحفاظ على وقف إطلاق النار من خلال لعب دور الوسيط الموثوق بين الطرفين، ولذلك، يجب أن يقترن الضغط الأميركي على لبنان بجهود لكبح جماح الأعمال الإسرائيلية الاستفزازية، كما ينبغي لواشنطن تعزيز قدرتها على إجراء تقييم مستقل لعملية الجيش بنزع السلاح. ويمكن أن يبدأ ذلك بإعلان عن إتمام المرحلة الأولى بنجاح، وإجراء تقييمات موضوعية وعلنية لخطط المراحل اللاحقة. ولتعزيز هذه الجهود، ينبغي للجيش الأميركي القيام برحلات تقييم دورية، بل وحتى نشر قوات قصيرة الأجل مع الجيش اللبناني في المناطق التي أُعلن تطهيرها من حزب الله. كما وينبغي على الولايات المتحدة أن تعمق فهمها للتطورات المتعلقة بنزع سلاح حزب الله ووضعه في المجتمع الشيعي".
وبحسب المجلة، "ثالثًا، ينبغي للولايات المتحدة مواصلة جهودها لتزويد الجيش اللبناني بالمعدات والتدريب وغير ذلك من أشكال المساعدة، وسيزداد الدعم الأمريكي والدولي للجيش أهميةً مع توسع لبنان في عمليات نزع السلاح شمال نهر الليطاني مع الحفاظ على سيطرته العملياتية في الجنوب.ومع الانسحاب التدريجي لقوة
الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، ستصبح هذه المساعدة أكثر ضرورة. وأخيرًا، ينبغي على الولايات المتحدة تفعيل وتنسيق الدعم الدولي للبنان، بما في ذلك المساعدة المالية من شركاء الخليج الإقليميين، وهذا يعني الوفاء بالتعهدات القائمة وضمان نجاح المؤتمر الدولي المزمع عقده في شباط بشأن دعم الجيش. وعلى نطاق أوسع، ستحتاج المشاريع الاقتصادية ومشاريع إعادة الإعمار إلى مساعدة مالية أيضًا. سيكون دعم برنامج صندوق النقد الدولي في لبنان والإصلاحات الاقتصادية المحلية المرتبطة به أمراً أساسياً لتعافي البلاد على المدى الطويل".
وختمت المجلة، "لأول مرة منذ عقود، يمكن تحرير سيادة لبنان من التهديدات الداخلية والخارجية، مما قد يبشر بعهد جديد من الاستقرار والازدهار. وقد تزامن تراجع قيادة حزب الله وقدراته، وانتخاب حكومة إصلاحية لا يقودها أمراء الحرب أو وكلائهم، ورحيل بشار الأسد عن سوريا، ليخلقوا فرصة فريدة من نوعها، لكن الحكومة اللبنانية لا تستطيع اغتنام هذه الفرصة بمفردها. فلكل من إسرائيل والولايات المتحدة مصالح حيوية على المحك، وعليهما العمل بتنسيق مع لبنان لاغتنام هذه اللحظة".