كتب جورج شاهين في" الجمهورية": تلاحقت الأسئلة في الأيام القليلة الماضية عن الأسباب والظروف التي دفعت إلى إمهال الجيش شهراً كاملاً لتقديم خطته للمرحلة الثانية من عملية حصر السلاح بعد إتمام الاولى جنوب نهر الليطاني. وهو ما دفع إلى التريث في انتظار حصيلة الاتصالات والمشاورات العاجلة بين
بيروت وواشنطن وباريس، وما بين المسؤولين اللبنانيين الذين وفّروا مخرج "المهلة" لمنع انفجار حكومي مرتقب، والتحضير لخطوة ما، تسهّل بقية المراحل المقرّرة لبسط سلطة الدولة وحدها.
لهذه الأهداف ومن اجل أخرى لا يمكن فك التلازم القائم في ما بينها، تمّ التوصل إلى الصيغة التي عبّر عنها بيان قيادة الجيش
الطويل صباح أول امس الخميس، عندما قال بوضوح لا لبس فيه، إنّ "خطته لحصر السلاح قد دخلت رحلة متقدّمة، بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى في شكل فعّال وملموس على الأرض".
توسعت مراجع معنية في إجراء قراءة لحصيلة المفاوضات الجارية على مختلف المستويات، ولا سيما منها الداخلية، بعدما تسارعت الاتصالات بين الرئاسات الثلاث وقيادة الجيش استباقاً لموعد انعقاد جلسة
مجلس الوزراء أول أمس الخميس، التي تمّ تعديل موعد انعقادها بتقديمه ساعات، نظراً إلى الظروف العائلية التي كانت ستحول دون مشاركة قائد الجيش العماد رودولف هيكل فيهالارتباطه بحدث عائلي طارئ لا يمكن تجاوزه. فكان البيان الذي صاغته قيادة الجيش الذي استبقت فيه جلسة مجلس الوزراء بدقائق، قبل أن تنطلق حملة الدعم الثلاثية التي قادها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وتلاه
رئيس مجلس النواب نبيه بري ومن بعدهما رئيس الحكومة نواف سلام.
ولاحظت المراجع عينها العبارات التي استُخدمت في البيانات الثلاثة لجهة دعم موقف الجيش، بما حمله بيانه من عبارات مفتاحية، قبل أن تكون عسكرية بحتة. ووجدت في البيان الصادر عن الرئيس عون تأكيداً ل "دعمه الكامل للبيان الصادر عن قيادة الجيش". ومعرباً عن "تقديره للدور الوطني الذي تضطلع به قوانا المسلحة
اللبنانية، في بسط سلطة الدولة، واستعادة سيادتها على أراضيها كافة، بقواها الذاتية حصراً، وفي تعزيز الأمن والاستقرار، وخصوصاً في جنوب
لبنان".
وقبل أن يجف حبر بيان عون، أصدر
بري بيانه مذيّلاً بعبارات لافتة قال فيها "إنّ الجنوبأكّد ويؤكّد انّه متعطش لوجود جيشه وحمايته". موجّهاً الدعوة إلى
إسرائيل للمرّة الاولى بقوله "اخرجوا من أرضنا وغادروا سماءنا وكفى الله المؤمنين شرّ القتال". وهو ما تمّ تفسيره على انّه موقف متقدّم لبري بصفته "الأخ الاكبر" في "الثنائي الشيعي"، وقد شكّل "تعهداً مسبقاً" بأنّ انسحاب قوات الاحتلال من التلال التييحتفظ بها في الجنوب كافٍ لوقف الحرب نهائياً.
وفي الوقت الذي قرّر مجلس الوزراء إعطاء قيادة الجيش مهلة إضافية تنتهي مطلع شباط المقبل، لتقديم تقريرها عن موعد انطلاق المرحلة الثانية من "حصر السلاح" والآلية التي سيلجأ إليها لتنفيذها، كان بيان رئيس الحكومة الذي أكّد الثوابت الوطنية الرسمية "مثمناً عاليًا الجهود الكبيرة التي بذلها الجيش، قيادةًوضباطًا وأفرادًا، في الانتهاء من المرحلة الأولى من خطته لتنفيذ قرار الحكومة القاضي بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كل الأراضي اللبنانية". وفي الوقت الذي استغرب بعض الأوساط ما تضمنته البيانات الرئاسية الثلاثة، على خلفية أنّها "تقليدية"، وقد صدرت عن القائد الأعلى للقوات المسلحة والسلطتين التنفيذية والتشريعية، فقد رأت فيها المراجع المعنية رسالة إلى الخارج قبل الداخل، وتحديداً في اتجاه المراجع الدولية والأممية المعنية بالبحث عن مخارج لمسلسل الحروب في لبنان والمنطقة. كذلك رأت انّها فعلت فعلها، بعدما استدرجت المواقف الدولية الداعمة للموقف اللبناني الجامع، وقد تشكّل دافعاً للردّ على أسئلة الدولة اللبنانية عن دور الدول الضامنة للتفاهمات المبرمة منذ تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 ومطالب لبنان بلجم إسرائيل عن عدوانها، وإعطاء الجيش الحوافز التي تسهّل مهمّته في حصر السلاح ووقف العمليات العسكرية التي يتذرّع بها مقتنو السلاح غير الشرعي للاحتفاظ به، على رغم من فقدان أي دور له.