تصرّفت الحكومة في جلستها الأخيرة كالنعامة، التي تخشى أن ترى الخطر الداهم المقبل عليها، فتكتفي بطمر رأسها بالرمال، اعتقادًا منها بأن ما يجري حولها من أحداث وتطورات متسارعة لا تعنيها لا من قريب ولا من بعيد، خصوصًا في ظل الحديث السياسي المتنامي عن فرضية أنّ البلاد ما زالت في منأى عن "الحرب الشاملة". وهذا الحديث قد يكون شيء من الصحة والواقعية كما تراه أوساط ديبلوماسية، ولكن ذلك لا يمنع السلطات
اللبنانية من أن يكون لديها فرضية أخرى أكثر واقعية من فرضية استبعاد تلقّي
لبنان تبعات أي خربطة في المعادلات الدولية والإقليمية. وهذا النمط من التفكير يؤيده عدد لا بأس به من الوزراء، الذين كانت لديهم تحفظات على إبقاء الوضع الأمني مجمّدًا عند حدود المنطقة الجغرافية الواقعة جنوب نهر الليطاني بغض النظر عمّا تحقّق في هذه المنطقة لجهة حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وبغض النظر عن التشكيك
الإسرائيلي بجدوى ما اتخذه الجيش من إجراءات تنفيذية على أرض الواقع. وهذا ما شدّد عليه قائد الجيش في التقرير الشهري الذي قدّمه في الجلسة الأخيرة، والذي كان سبقه بيان صادر عن قيادة الجيش يؤكد فيه استمرار العمل على بسط سيادة
الدولة على المنطقة، التي شملتها المرحلة الأولى من خطّة اليرزة.
غير أنّ هذه المقاربة السياسية، التي اتبعتها الحكومة، وإن ساهمت في تخفيف منسوب الهلع الداخلي، لا يجوز أن يجافي ما تقرّر في هذه الجلسة الحقيقة الواضحة كعين الشمس، أو الاستخفاف بما في الواقع الملموس من تعقيدات ليس أقلّها تصاعد وتيرة الاعتداءات
الإسرائيلية، التي يمكن ا، يُستنتج منها بأن تل أبيب مصممة على الانتقال من مرحلة الرسائل العسكرية اليومية بوتيرة متصاعدة إلى مرحلة توسيع أهداف اعتداءاتها في أكثر من منطقة لبنانية تعتقد تل أبيب أنها تشكّل مصدر قلق لها.
وعلى رغم المعطيات التي توافرت في الساعات الأخيرة للجهات اللبنانية الرسمية، عبر قنوات عربية وغربية، والتي تشير إلى احتمال متصاعد عن توجّه إسرائيلي لتوسيع رقعة الاعتداءات شمال نهر الليطاني، تعاطت الحكومة مع هذه المؤشرات على طريقة "بعود عن الشر وغنيلو". ولا يُخفى على أحد احتمال بلوغ هذه الاعتداءات ضواحي العاصمة
بيروت، من ضمن ما توصفه تل أبيب بأنها ستكون "مركّزة ومحدودة". إلاّ أن هذا التوصيف، وعلى رغم أنه لا يعني بالضرورة محاولة لتجنّب الحرب الشاملة، لم يدفع الحكومة إلى اتخاذ أي اجراء من شأنه تثمير علاقاته الخارجية لتلافي خطورة التصعيد أو على الأقل التخفيف من تداعياته الميدانية والسياسية.
فما تبلغته الجهات اللبنانية الرسمية من معلومات شبه رسمية من أكثر من موفد أميركي مقلق للغاية، ويدعو إلى التساؤل عن مدى جدّية التحرّك الحكومي في اتجاه واشنطن، التي يبدو، وحتى إشعار آخر، أنها لن تعارض توسيع الاعتداءات الإسرائيلية شرط أن تبقى دون سقف الحرب الشاملة. إلاّ أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سيحاول الاستفادة من دون أدنى شك من هذا الغطاء الأميركي، وذلك بما يتوافق ويخدم الحسابات الإسرائيلية الداخلية والإقليمية، مع ما يعنيه ذلك من أن واشنطن لن تستطيع أن تلجم تل أبيب في حال خروج اللعبة العسكرية عن طورها والدخول غير المدروس في موازين احتمالات انزلاق غير محسوب نحو الحرب الشاملة.
واللافت في الأمر، وبحسب ما كشفته مصادر ديبلوماسية في بيروت، أن زيارة
وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي تأتي مكمّلة لما سبق أن طرحته القاهرة من حلول لموضوع سلاح "
حزب الله"، سواء في جنوب الليطاني أو في شماله وصولًا إلى كل شبر من الأراضي اللبنانية. وفي المعلومات أيضًا أن واشنطن وتل أبيب على علم بما تقوم به القاهرة من مساع ديبلوماسية حثيثة تهدف إلى اقناع كل الجهات المعنية بمصير هذا السلاح، الذي يصرّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ومع بداية سنة ولايته الرئاسية الثانية، على حصره في يد القوى الشرعية اللبنانية دون سواها من قوى الأمر الواقع.
ووفق المعلومات المتوافرة فإن طهران غير بعيدة عن أجواء التحرّك المصري، الذي يحظى بغطاء عربي، وبالأخص
سعودي، بل تؤكد استعدادها لدعم أي طرح يضمن مساحة واسعة من التحرّك غير المرتبط بأي أهداف عسكرية لـ "حزب الله". وهذا ما بدا واضحًا من خلال تصريحات الوزير عراقجي، وبالأخص بعد لقائه نظيره اللبناني، شرط مراعاة ما يطالب به "الثنائي الشيعي" لجهة التزام الدولة بالذهاب بعيدًا في موضوع استراتيجية الأمن الوطني.
وفي غياب أي رؤية واضحة للحكومة يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة عنوانها تصعيد مضبوط وتسويات قيد الإعداد. فلا حرب شاملة حتى الساعة، لكن مؤشرات التصعيد تتراكم، وبالتالي لا تلوح في الأفق بوادر اتفاق نهائي، لكن خطوطه العريضة تُرسم على وقع الضغوط الميدانية والسياسية. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأساس في قدرة الحكومة على إدارة هذه المرحلة بأقل الخسائر، وسط توازنات إقليمية ودولية شديدة التأثير. ويبقى السؤال الأهم، الذي يطرحه كل لبناني، وهو: هل أن هذه الحكومة قادرة على مواجهة "رياح التغيير" في المنطقة؟