تشهد المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التوتر المفتوح على كل الاحتمالات، حيث تبدو واقفة على حافة خيارين لا ثالث لهما: انفجار كبير قد يحدث في أي لحظة، أو تسوية سريعة تفرض نفسها قبل خروج الأمور عن السيطرة. هذا التوتر لا يمكن قراءته فقط من زاوية التصريحات السياسية أو الاستعراضات العسكرية، بل من خلال التحولات العميقة التي تجري بهدوء في الداخل الإقليمي، وخصوصًا داخل
إيران نفسها.
خلال اليومين الماضيين، تراجعت التحركات في إيران بشكل دراماتيكي، سواء على مستوى الشارع أو في المشهد السياسي الداخلي. هذا التراجع لا يعكس الا قدرة على السيطرة، و يشير إلى حالة تماسك غير مسبوقة بين الدولة والمعارضة الجدية. فبعكس ما كان متوقعًا أو مُراهنًا عليه من بعض الأطراف الخارجية، لم يظهر أي غطاء شعبي يمكن البناء عليه في حال حصول هجوم عسكري. على العكس، بدت
المعارضة الإيرانية الأساسية أكثر قربًا من خطاب الدولة، انطلاقًا من قناعة بأن أي اعتداء خارجي سيؤدي إلى نتائج كارثية على البلاد والمنطقة ككل.
هذا المعطى يضع أي خيار عسكري ضد إيران في موقع شديد التعقيد. فغياب الغطاء الشعبي الداخلي يسقط أحد أهم عناصر الرهان التقليدي في مثل هذه السيناريوهات، ويجعل أي مواجهة مكلفة سياسيًا وأمنيًا، ليس فقط لإيران، بل لكل من يشارك أو يدعم هذا الخيار. وهنا تحديدًا يبرز الفارق الجوهري بين الوضع الراهن وما جرى خلال حرب الـ١٢ يومًا، حيث كانت الاصطفافات الإقليمية أوضح، والانقسامات الداخلية أعمق.
اليوم، المشهد مختلف تمامًا، فمعظم
الدول العربية باتت تنظر إلى إيران باعتبارها جزءًا من معادلة
الأمن الإقليمي، وليس كعنصر يجب إسقاطه أو عزله. هذه المقاربة لا تنطلق من اعجاب سياسي أو تطابق أيديولوجي، بل من حسابات واقعية تدرك أن انهيار إيران سيعني فوضى شاملة تمتد من
الخليج إلى شرق المتوسط. هذا الفهم لا يقتصر على الدول العربية فحسب، بل يشمل
تركيا أيضًا، التي ترى في استقرار إيران ركيزة أساسية لتوازن المنطقة.
من هنا، فإن الكباش الحالي، مهما ارتفع منسوب التهديد فيه، يبقى محكومًا بسقف حساس. صحيح أن احتمالات التحول إلى مواجهة عسكرية قائمة، لكن أي انفجار سيؤدي حتمًا إلى إعادة خلط الأوراق التحالفية في المنطقة، ويفرض وقائع جديدة قد لا تكون في مصلحة من يشعل الشرارة الأولى. لذلك، تبدو التسوية السريعة، ولو المؤقتة، خيارًا أكثر واقعية، بانتظار نضوج توازنات جديدة تفرض شكل المرحلة المقبلة.