تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

السياسة حين تفقد معناها… والدولة حين تغيب

خاص "لبنان 24"

|
Lebanon 24
12-01-2026 | 08:30
A-
A+
Doc-P-1467230-639038050187571211.webp
Doc-P-1467230-639038050187571211.webp photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
كتب الدكتور كلود عطية : ليس ما نشهده فائض حياة سياسية، بل فائض فراغ.
تجمّعات تتكاثر، لقاءات تتوالد، جمعيات تُستحدث، استقبالات تُنظَّم، مرشّحون بالعشرات، منصّات إعلامية، حملات تسويق، مقالات وخطابات…
وفي المقابل، دولة تتآكل، مؤسسات مشلولة، وقانون معلّق بين النص والتطبيق.
حين تعجز الدولة عن أداء وظيفتها، لا ينشأ البديل الطبيعي، بل تتقدّم الفوضى المقنّعة.
تتحوّل السياسة من إدارة للشأن العام إلى مسرح،
ويغدو الحضور أهم من المشروع،
والصورة أسبق من الفكرة،
والضجيج بديلًا عن الفعل.
في هذا المناخ، تظهر وجوه بلا ذاكرة عامة.
لا يعرفها الناس، ولا يعرف الناس عنها شيئًا،
لكنها تتقدّم فجأة لتتحدث باسمهم،
وتدّعي تمثيل آلامهم،
وتعرض نفسها بوصفها خلاصًا لشعب أرهقه الفقر، أنهكه الجوع، خنقته البطالة، وسُحقت كرامته تحت انهيار شامل لم يترك بنية إلا وضربها.
غير أن أخطر ما يسبق الاستحقاقات الانتخابية ليس الخطاب، بل المال.
ملايين الدولارات تدخل المشهد بلا مسار واضح، بلا مساءلة، بلا أسئلة جدّية حول المصدر والوجهة والتوقيت.
وهنا لا يعود السؤال أخلاقيًا فقط، بل مؤسساتيًا بامتياز:
كيف يُسمح بتدفّق هذا المال في دولة تزعم امتلاك قوانين للشفافية والرقابة؟
تتزامن هذه الظاهرة مع بروز طبقة من المرشحين الشباب، في بدايات أعمارهم، بلا سجل إنتاجي أو مسار اقتصادي قابل للتدقيق،
يظهرون فجأة في موقع الثروة،ثم في موقع السياسة، ثم في موقع الوصاية على المصلحة العامة.
ما يُطلب هنا ليس ثقة الناس، بل حصانة.
حصانة تحمي المال غير المُشرّع،وتعيد تدوير النفوذ،وتحوّل البرلمان من سلطة تشريعية ورقابية إلى مظلّة أمان للاستثمارات السياسية المشبوهة.
في العلوم السياسية، تُعرّف هذه الحالة بوصفها تشويهًا بنيويًا للعملية الديمقراطية عبر المال.
وفي علم الاجتماع السياسي، هي الشكل الأوضح لتحويل البؤس الاجتماعي إلى رأسمال انتخابي، حيث يُستثمر الفقر، ويُستغل الجوع، وتُستحضر الهويات الطائفية بوصفها أدوات تعبئة لا بوصفها انتماءات ثقافية.
هنا، يصبح الدين خطابًا انتخابيًا،
والطائفة وسيلة تنظيم أصوات،
والوجدان الجمعي ساحة مفتوحة للتلاعب.
لا بوصف ذلك إيمانًا، بل توظيفًا.
ولا بوصفه قناعة، بل تقنية سياسية.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في الفاعلين، بل في الدولة الغائبة.
دولة لا تراقب الإنفاق الانتخابي،
ولا تفرض شفافية التمويل،
ولا تُفعّل أدوات المحاسبة،
هي دولة لا تُخدع، بل تتواطأ بصمتها.
وحين يغيب معيار الكفاءة والنزاهة،
يُعاد إنتاج السلطة نفسها بوجوه مختلفة،
ويبقى الوطن مؤجّلًا،
والانهيار مستمرًا،
والسؤال معلقًا.
الأوطان لا تُبنى بالمال السريع،
ولا تُدار بالحصانات،
ولا تُنقذ بخطاب بلا أخلاق.
نحن أمام لحظة مفصلية:
إما إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها مسؤولية عامة،
وإما التسليم بتحويل الانتخابات إلى آلية شرعنة لانهيارٍ كامل.
في هذه اللحظة، يصبح السؤال الوحيد المشروع:
من أين لك هذا؟لأن من لا يُسأل اليوم عن ماله، سيُسأل غدًا عن وطنٍ ضاع.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

خاص "لبنان 24"