في بلد اعتاد أن تُختزل أخباره بالأزمات والانهيارات، يطلّ بين الحين والآخر مؤشر يذكّر بأن
لبنان لا يزال يملك ثروة لا تنضب: الإنسان. فوفق تصنيف International IQ Test، احتل لبنان المرتبة الأولى عربياً في متوسط معدل الذكاء لعام 2026، بمعدل بلغ 99.13 نقطة، في نتيجة وُصفت بأنها لافتة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها البلاد.
ورغم أن هذه الأرقام لا تشكّل حكماً نهائياً على مستوى الذكاء الإنساني، إلا أنها تفتح نافذة إيجابية على قدرات اللبنانيين الذهنية والمعرفية، وتعيد التذكير بأن الأزمات لم تنجح حتى الآن في كسر البنية الثقافية والتعليمية المتجذّرة في المجتمع اللبناني.
يقيس معدل الذكاء (IQ) مجموعة من القدرات الذهنية المحددة، مثل التفكير المنطقي، والتحليل الرياضي، وسرعة المعالجة الذهنية، وبعض جوانب الذاكرة، ضمن مقياس إحصائي عالمي يتمحور حول متوسط 100 نقطة. صحيح أن هذا المؤشر لا يشمل أبعاداً أخرى لا تقل أهمية، كالإبداع والذكاء العاطفي والمهارات الاجتماعية، إلا أنه يبقى أداة مقارنة تُستخدم على نطاق واسع لرصد الاتجاهات العامة في الأداء المعرفي.
ويُعزى هذا الحضور إلى مجموعة عوامل متراكمة، أبرزها الإرث التعليمي
الطويل، والانتشار الواسع للتعليم المتعدد اللغات، وارتفاع نسبة خريجي الاختصاصات العلمية والطبية، إضافة إلى الانخراط الكبير للبنانيين في البيئات الأكاديمية والمهنية الدولية. وهي عناصر أسهمت في إبقاء لبنان حاضراً في المشهد المعرفي العالمي، رغم كل الصعوبات.
صحيح أن النظام
التربوي اللبناني يواجه تحديات كبيرة، من تراجع المدرسة الرسمية إلى الضغوط المعيشية على الجسم التعليمي، إلا أن النتيجة المسجّلة تذكّر بأن الاستثمار في الإنسان لا يزال قائماً، وبأن الكفاءات
اللبنانية قادرة على إثبات نفسها متى توفرت لها البيئة المناسبة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هذا التصنيف بوصفه فرصة لا مجرد رقم. فرصة لإعادة طرح الأسئلة الصحيحة حول كيفية حماية هذه الطاقات، وتحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية، وربط التعليم بسوق العمل، ووضع سياسات عامة تجعل من رأس المال
البشري ركيزة أساسية في أي مشروع نهوض اقتصادي.
في الخلاصة، قد لا يكون تصدّر لبنان عربياً في معدل الذكاء مؤشراً علمياً حاسماً، لكنه يحمل رسالة واضحة:
هذا البلد لا يزال يملك من الكفاءات ما يؤهله للنهوض. والتحدي الحقيقي لا يكمن في الاحتفاء بالنتائج، بل في ترجمتها إلى سياسات وفرص تمنح الذكاء اللبناني سبباً للبقاء، لا للهجرة.