ليس من السهل إجراء مقارنة بين ما شهده
لبنان في 17 تشرين الأول 2019 وما تشهده
إيران اليوم من احتجاجات واضطرابات. فالصورة الخارجية على الأقّل متشابهة. شارع غاضب، وضائقة معيشية خانقة، وسلطة متهمة بالعجز أو الانفصال عن الناس. ولكن ما يبدو غير سهل في المقارنة بين
بيروت وطهران فهو الحديقة الخلفية لتلك الاحتجاجات إذا تجاوز المرء قراءة ما يجري بأسبابه الاجتماعية المتشابهة. أمّا المسارات وما نتج عن احتجاجات 17 تشرين، وما يمكن أن ينتج عن الاحتجاجات
الإيرانية، فمختلفة باختلاف طبيعة نظام كل من لبنان وإيران، وباختلاف الظروف والمعطيات المرتبطة بموقع كل من البلدين على خارطة النظام العالمي القائم على توازنات دقيقة وغير منفصلة عمّا حولها من تطورات متسارعة ومعقدّة.
ففي الحالتين، لم تكن الشرارة سياسية بالمعنى الكلاسيكي، أو لنقل ظاهريًا. فاللبنانيون لم يخرجوا إلى الشوارع في 17 تشرين لإسقاط دستور أو تغيير نظام حكم، وإن تخلل بعض الشعارات التي رُفعت في حينه المطالبة باسم الشعب بإسقاط النظام، بل احتجاجًا على منظومة الفساد التي أوصلت البلاد إلى شفير الانهيار. فالذين نزلوا إلى الشارع في ذاك اليوم، وفي شكل عفوي، كما يُقال، نزلوا اعتراضًا على قرار حكومي بفرض ضريبة 20 سنتًا على المكالمات المجانية الخاصة بـ "الواتس آب".
إذًا انطلاقة الاحتجاجات
اللبنانية لم تكن في بداياته سياسية، على رغم أن بعض الجهات السياسية اتهمت القائمين بهذه الاحتجاجات في الشارع بارتباطهم بالسفارات. ولكن مع مرور الوقت استُعمل المتظاهرون لأغراض سياسية لم تؤتَ ثمارها، وتلاشت ذه الاحتجاجات مع مرور الزمن كفقاقيع صابون.
كذلك، لم ينزل الإيرانيون إلى الشارع بدافع أيديولوجي صرف، بل نتيجة ضغوط اقتصادية خانقة، وتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وشعور عام بالاختناق الاجتماعي وانسداد الأفق.
فالقاسم المشترك الأول بين الساحتين كان تراكم حجم الغضب لدى عامة الشعب. ففي لبنان، سبقت 17 تشرين سنوات من الهدر والمحاصصة وغياب الدولة، إلى أن جاءت واقعة "الواتس آب" لُتشعل فتيل الانفجار الاجتماعي. وفي إيران، تراكمت آثار
العقوبات، وسوء الإدارة، والخيارات الاقتصادية الصعبة، إلى أن تحوّل الضغط الاجتماعي إلى احتجاج مفتوح لا يعرف أحد
إلى أين سيؤدي، مع ما يرافق هذه الاحتجاجات من أعمال شغب وعنف وقمع، وصلت أصداؤها إلى مختلف الدول، التي يهمّها تفاقم الوضع الداخلي
الإيراني، علّها تصل إلى إسقاط النظام المتهم من هذه الدول بأنه يقف وراء أزمات المنطقة.
ففي الشارعين تمّ كسر حاجز الخوف. في لبنان، نزلت إلى الشارع فئات لم تكن منخرطة سياسيًا، وارتفع خطاب يحمّل "المنظومة" ككل مسؤولية الانهيار، تحت شعار "كلن يعني كلن". وفي إيران، بدا لافتًا اتساع رقعة الاحتجاجات ومشاركة فئات شبابية ونسائية، في رسالة واضحة إلى السلطة بأن الصمت لم يعد ممكنًا.
أمّا الاختلافات الجوهرية ما بين احتجاجات الأمس في لبنان واحتجاجات اليوم في إيران فواضحة ولا تحتاج إلى كثير من الشرح والتفصيل.
فلبنان، وعلى علّات تركيبته السوسيولوجية والسياسية الهشّة، هو دولة بنظام تعددي، ولكن بسلطة منقسمة، وبهوامش واسعة من الحرية سمحت للحراك بأن يتمدّد من دون قمع شامل. فالدولة لم تكن واحدة في مواجهة الشارع، بل كانت منقسمة على نفسها، ما أتاح استيعاب الحراك، ثم تفكيكه سياسيًا وطائفيًا، بدلًا من مواجهته أمنيًا في شكل مباشر. فالحكومة التي كانت قائمة سقطت، واهتزّت صورة الطبقة الحاكمة، لكن النظام بقي صامدًا، لأن الحراك الشعبي على اختلاف مشاربه فشل في إنتاج بديل سياسي موحّد وقادر على تحويل غضب الشارع إلى مشروع سياسي واضح.
في المقابل، تواجه إيران الاحتجاجات الشعبية كنظام مركزي متماسك، عقائدي وأمني، يرى في أي حراك تهديدًا مباشرًا لشرعيته، لا مطلبًا إصلاحيًا قابلًا للتفاوض. لذلك، جاءت المواجهة سريعة وحاسمة، بسقف قمعي أعلى، وبقرار سياسي واحد لا لبس فيه، إذ لا مجال لأي مساحة كبيرة للاحتواء أو التسويات الجزئية.
الفرق لا يكمن فقط في طبيعة التعامل مع هذه الاحتجاجات، بل في طبيعة الدولة. لبنان دولة ضعيفة، ومفككة، وعاجزة حتى عن قمع شامل. أمّ إيران فدولة قوية أمنيًا، وقادرة على الصمود، لكنها مُنهَكة اجتماعيًا واقتصاديًا. اللبنانيون أسقطوا حكومة لأن النظام لم يكن قادرًا على حماية نفسه سياسيًا. الإيرانيون يهزّون النظام، لكنهم لم يفرضوا تغييرًا بنيويًا حتى الآن، لأن النظام لا يزال قادرًا على حماية نفسه بالقوة.
ثمّة عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو العامل الخارجي. في لبنان، لم يكن هناك قرار دولي موحّد بتغيير النظام. فالتدخلات الخارجية كانت متناقضة، وكل طرف قرأ الحراك من زاويته. أما في إيران، فكل احتجاج يُقرأ فورًا في سياق الصراع مع الغرب، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي، ما يدفع السلطة إلى تشديد القبضة الأمنية ورفض أي تنازل يُفسَّر ضعفًا.
إن المقارنة بين 17 تشرين واحتجاجات إيران تثبت أن الوجع واحد، لكن المصير مختلف. في لبنان، ثار الشارع على منظومة عاجزة ومنقسمة، فأسقط جزءًا منها من دون أن يبني بديلًا. في إيران، يثور الشارع على نظام قوي لكنه مُرهَق، في معركة طويلة النفس لم تتضح نهاياتها بعد.