تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بين الضربة المؤجّلة والمخرج الاميركي.. كيف ستُدار الحرب على إيران؟

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
17-01-2026 | 02:00
A-
A+
Doc-P-1469741-639042366285672655.webp
Doc-P-1469741-639042366285672655.webp photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
في الساعات الأخيرة، تحوّل النقاش حول المواجهة الأميركية – الإيرانية المرتقبة من سؤال الحرب إلى سؤال التوقيت، ومن منطق الحسم إلى منطق إدارة اللحظة. ورغم أن التصعيد الذي رُفع سقفه سياسياً وإعلامياً ترك انطباعاً بأن المنطقة تقف على عتبة قرار كبير، غير أنّ المسار العملي للأحداث أظهر أن الصورة تبدو أكثر تعقيداً، وبين رسائل القوة المتبادلة وحركة الوساطات الصامتة، بدأ يتشكل مشهد مختلف عنوانه إعادة ترتيب الخيارات بدل حسمها دفعة واحدة.

ومن داخل هذا المشهد، تبرز قراءة دبلوماسية تعتبر أن ما يجري لا يعكس تردداً أميركياً بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تموضع القرار. ووفق هذه القراءة، فإنّ الضربة على إيران لا تزال حاضرة في الحسابات الاستراتيجية الأميركية، لكن بصيغة مختلفة عن تلك التي يجري تداولها إعلامياً، وبإيقاع يخضع لضغوط إقليمية ودولية متشابكة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين التأجيل، والضربة المحدودة والتفاهمات غير المعلنة.

من هذا المشهد المتحوّل، اتجهت التقديرات إلى ترحيل الضربة الكبرى إلى الصيف المقبل. وفي هذا السياق، فإن الترحيل لا يعكس تراجعاً عن القرار الأميركي ولا مراجعة في جوهره، بل مقاربة مختلفة لإدارته زمنياً بما يتيح استمرار الضغط من دون الذهاب إلى لحظة انفجار غير محسوبة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم تأجيل الضربة، إن حصل، بوصفه جزءاً من إدارة المواجهة وليس خروجاً منها، حيث يتحول عامل الوقت نفسه إلى عنصر ضغط في مسار المواجهة.

لكن قبل الوصول إلى ذلك الموعد، يواجه البيت الأبيض إشكالية تتعلق بالمخرج، ذلك أن حجم التصعيد القائم لا يسمح بانسحاب صامت ولا بتراجع غير مبرر، حيث إن الرئيس الاميركي دونالد ترامب بنى خطابه على منطق القوة القصوى، وأدار المواجهة الاعلامية بمنسوب مرتفع من التهديد العلني، ما يجعل أي خفض مفاجئ للسقف بمثابة ضربة لصورة الردع التي يسعى إلى ترسيخها داخلياً وخارجياً. ومن هنا، يصبح البحث عن فعل عسكري محدود أقرب إلى ضرورة سياسية منه إلى خيار عسكري صرف.

في هذا الإطار، يبرز سيناريو الضربة التكتيكية كحل انتقالي لإدارة التصعيد. والمقصود هنا ليس ضربة تهدف إلى قلب الطاولة، ولا عملية تُحدث تحوّلاً في ميزان القوى داخل إيران، بل خطوة محسوبة تسمح للإدارة الأميركية بالقول إنها نفذت تهديداتها، ولو جزئياً، وفي الوقت نفسه تمنحها مساحة للتراجع المرحلي من دون أن تظهر بمظهر المتردد. هذه الضربة، إن حصلت، ستكون، وفق المصادر، مصممة بعناية لتفادي إشعال سلسلة ردود متدحرجة، مع ترك هامش لإيران كي تردّ برد مضبوط يحفظ التوازن من دون كسر السقوف.

في المقابل، لا يظهر أن طهران تتجه في هذه المرحلة نحو رغبة بمواجهة شاملة، إذ يقوم تقديرها السياسي على أولوية الصمود وإدارة الخسائر، وليس على خوض اختبار مفتوح مع قوة عظمى. ضمن هذا الإطار، يُرجَّح اعتماد رد محسوب ومدروس يثبت بقاء القدرة وعدم المساس بالخطوط الحمراء، من دون توسيع الاشتباك أو دفعه إلى مستويات يصعب ضبطها. ولعلّ هذا التوازن الدقيق بين الفعل والرد يفسّر ترجيح هذا السيناريو، كونه يلبّي حاجة واشنطن إلى مخرج سياسي، ويمنح إيران هامش الاستمرار من دون تحمّل كلفة وجودية مباشرة.

لكن المشهد لا يقتصر على هذا الاحتمال وحده. فثمة تقدير آخر يفترض أن تكون الضربة التكتيكية، إن حصلت، مجرد خطوة مرحلية تواكب توجّهاً موازياً يقوم على تراجع مدروس مقابل تفاهمات غير معلنة. وفي حال تحقق هذا التراجع فعلياً، فإن دلالاته تتجاوز فكرة التأجيل إلى أسئلة سياسية أعمق، إذ يُطرح حينها السؤال الأثقل المتصل بطبيعة التنازلات المحتملة لمنع انهيار النظام الإيراني والحفاظ على استمراريته. هذه التنازلات، إن وُجدت، لن تظهر في صيغة اتفاقات معلنة، بل ستنعكس تدريجياً في السلوك السياسي، وفي حدود الحركة الإقليمية، وفي مستوى الانخراط أو الانكفاء داخل ساحات النفوذ.

عند هذه النقطة، ينتقل النقاش إلى الدائرة الإقليمية المرتبطة بطهران. فكل تفاهم يهدف إلى تثبيت النظام الإيراني يترك أثراً مباشراً على ساحات حضوره الخارجي، وفي مقدّم هذه الساحات يبرز "حزب الله" باعتباره الطرف الأكثر ارتباطاً بهذه المعادلة. لكنّ السؤال هنا لا يُطرح من زاوية تفكيك مباشر، بل من زاوية أكثر تعقيداً تتصل بإنهاء مصادر الدعم تدريجياً، ووقف تدفّق الإمداد، وإعادة تحديد الدور ضمن سقوف أقلّ كلفة على التوازنات الدولية. وفي هذا السياق، قد يجد "الحزب" نفسه أمام واقع يتشكّل من خارج حساباته ولا يمتلك مفاتيح التحكم بإيقاعه، إذ تتقدّم أولوية تثبيت المركز الإيراني على أي تمدّد في الأطراف.

من جهة أخرى، إذا اتجهت الأمور لاحقاً نحو ضربة استراتيجية في الصيف المقبل، كما تتوقع بعض القراءات، فإن التداعيات ستختلف حتماً في الشكل لكنها لن تكون أقلّ خطورة في الجوهر، إذ إن ضربة من هذا النوع تستهدف الداخل الإيراني وتزعزع بنية النظام، ستؤدي حتماً إلى اهتزاز مركز القرار الذي يدير منظومة الدعم والتمكين التي يقوم عليها دور "حزب الله". ومع هذا الاهتزاز، ينتفي عملياً أي حديث عن استمرار الإمداد كخيار قابل للإدارة، لأن سقوط النظام يضع حداً كاملاً لقدرة الإسناد من أساسها، وينقل النقاش تلقائياً من تفاصيل استمرار الدعم وآلياته إلى انهيار الإطار الذي قام عليه، فاتحاً الباب أمام سؤال أوسع يتصل بمصير المرجعية السياسية والعقائدية التي شكّلت أساس هذا الدور، وفي مقدّمها مفهوم "ولاية الفقيه" كإطار ناظم.

في هذا السياق، يطفو الحديث عن مستقبل القيادة في طهران، حيث يُقرأ التداول باسم مجتبى خامنئي وارتباطه بتحركات خارجية، ومنها روسيا، في إطار استشراف ما بعد المرحلة الحالية. غير أن هذا السيناريو يبقى هشّا إذا ما تعرض النظام لهزة كبرى، إذ إن انتقال السلطة في نظام مستقر يختلف جذرياً عن انتقالها في نظام يواجه تفككاً داخلياً. ففي لحظة التصدع، تتراجع آليات الضبط، وتتقدم صراعات مراكز القوة، وتتحول الوراثة من عنصر استمرارية إلى عبء سياسي لا يوفر ضمانة. عندها، لا تعود الشرعية مستمدة من الاسم أو النسب، بل من القدرة على فرض التوازن، وهي قدرة تتآكل بسرعة عندما يصبح النظام نفسه موضع تشكيك وجودي.

في الخلاصة، ما يجري اليوم ليس تراجعاً عن خيار الحرب ولا اندفاعاً نحوها، بل إدارة دقيقة للوقت والمخارج، حيث تبقى الضربة الكبرى مؤجلة، ربما، إلى الصيف المقبل ضمن حسابات ما زالت قائمة، فيما تظل الضربة التكتيكية احتمالاً مطروحاً لتبرير التصعيد وتأمين خروج مرحلي، في حين أن أي تراجع كامل، إن حصل، سيكون مُحمّلا بأثمان سياسية تتجاوز إيران إلى ساحاتها. وبين هذه المسارات المتداخلة، يتقلص هامش القرار لدى اللاعبين المرتبطين بالمركز الإيراني، لأن لحظات الاشتباك على مصير الأنظمة تعيد دائماً رسم حدود الأدوار، وتفرض وقائع تُقاس فيها الخيارات بقدرة الاحتمال لا بحرية الاختيار.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj