كتبت " الاخبار": يعاني مشروع الحكومة المقترح لزيادة رواتب وأجور العاملين في القطاع العام من عطب أساسي يتمثّل في أن إعادة القوّة الشرائية لهؤلاء، كما يقترح
مجلس الخدمة المدنية وما تتبناه الحكومة، سيأخذ مدّة زمنية طويلة، كما إن ما ستعطيه الحكومة بيد ستأخذ مقابله باليد الأخرى في «شطب» كبير من مكاسب التقاعد التي حصل عليها العمال على مدى عقود من النضالات.فالمعاش التقاعدي سيتراجع في آلية احتسابه إلى 70% بدلاً من 85% من الراتب الأخير، والتعويض التقاعدي سيصبح خاضعاً لعملية تجزئة، إضافة إلى الكثير من الاقتطاعات التي ستصدر تحت عنوان «الإصلاح» الذي يتطلّب سحق عدد العمال. سحق العمال بناء على هذه الخيارات هو ما يتطابق مع الخيارات التي يؤسّس لها مشروع
مجلس الخدمة المدنية الذي أعدّته شركة «سيغما» بالتعاون الوثيق مع
صندوق النقد الدولي. وقد تبيّن أن لا يد طويلة أو حتى قصيرة فيه لمجلس الخدمة المدنية أو لوزارة المال، سوى «الخضوع» لهذه الإملاءات.
أيضاً هو يتماهى مع الخيارات التي اعتمدها
مجلس الوزراء في تغليب لغة القطاع الخاص على القطاع العام وتكريس أدوات الخصخصة كخيار بديل من سياسات الاقتصاد الاجتماعي.
فالمطلوب، كما يريد صندوق
النقد الدولي، وسط شبه غياب للممانعة من قوى السلطة، ألا يُمنح العاملون في القطاع العام أي زيادات، إلا بعد فرض اقتطاع مكاسبهم التقاعدية وفرض الضرائب عليهم لتمويل الزيادات، وتحميل الأعباء على سائر المقيمين في
لبنان. ما عدا ذلك، لن يمرّ مشروع كهذا، بسبب الإملاءات نفسها التي يفرضها صندوق النقد الدولي والتي تخضع لها قوى السلطة بالكامل من رأس الهرم إلى أدناه، وبسبب غياب
المقاومة الفعّالة.
فالاعتصامات والإضرابات التي دُعي إليها في الأيام الماضية لم يكن فيها ثقل تمثيلي للنقابات وروابط العاملين في القطاع العام، بل هي تخضع بشكل أساسي لإملاءات
القوى السياسية والأحزاب التي أفرزت مسؤولين غائبين عن هموم العاملين في القطاع العام ويرفضون خوض أي معارك بوجه السلطة خوفاً من اتهامهم بـ«الارتداد».
رغم بشاعة المشهد، إلا أن الإضراب الذي نُفّذ أمس كان الأنجح بين التحرّكات الماضية. إذ أغلقت وزارة المال، وهي المحور الأساسي الذي يشكّل عامل ضغط على السلطة لدفعها نحو ممانعة إملاءات صندوق النقد الدولي والاستماع مجدداً إلى أصوات العمال. وقد أوضح مسؤول نقابي في وزارة المال أن الالتزام كان كبيراً في هذا التحرّك في وزارة المال وعدد كبير من
الإدارات الرسمية الأخرى والأساتذة وسائر العاملين في القطاع العام. وقد نفذ الإضراب عبر الحضور إلى مقرّ العمل والامتناع عن ممارسة الأعمال إلا بما تقتضيه الضرورة القصوى.