في الظاهر، يبدو تجميد اجتماعات لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية "الميكانيزم" تفصيلًا إجرائيًا يمكن تجاوزه بموعد جديد. لكن في العمق، يبدو أنّ الأمر أكثر تعقيدًا، إذ إنّ ما يحدث أبعد من "جلسة لم تُعقد"، بسبب غياب مندوب من هنا أو هناك. نحن أمام اختبارٍ لطبيعة المرحلة المقبلة في الجنوب، وللسؤال الذي يسبق كل الملفات الأخرى: من يدير طاولة التفاوض، وبأيّ سقف، وبأيّ وظيفة؟
من هنا، لا يمكن فصل التجميد عمّا سبقه من جولات تفاوض في الناقورة خلال كانون الأول، ولا عمّا يليه من محطات مزدحمة في شباط وآذار: زيارة
قائد الجيش إلى
واشنطن، والتحضير لمؤتمر
باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، وكلّها استحقاقات يشعر اللبنانيون أنّ هناك من يريد أن يرهنها بما ستقرّره الحكومة في ملف "حصرية السلاح" ومسار الانتقال إلى شمال الليطاني، في ظلّ الضغط المتواصل على
لبنان على خلفية ذلك.
وسط زحمة هذه الاستحقاقات، لا يعود الحديث عن "خطوات إجرائية" جمّدت اجتماعات "الميكانيزم" واقعيًا، بل يخفي خلفه نوايا مبطنة ربما، أو معارك ترتبط بمضمون التفاوض نفسه، خصوصًا أنّ أيّ تغيير في "شكل" اللجنة تغييرًا في مضمون التفاوض نفسه. فما حقيقة الامر؟ ما السر خلف تجميد الاجتماعات فعلا؟ هل هو مجرد تأجيل، أم أن هناك من يسعى لتغيير قواعد اللعبة، بما في ذلك "رفع مستوى التفاوض" أو تفكيك المسارات؟
لماذا تجمّدت اجتماعات "الميكانيزم"؟
تتفاوت التقديرات حول أسباب تجميد اجتماعات "الميكانيزم"، وإن تقاطعت في ما بينها على "ثابتة" واحدة، تقوم على استبعاد عامل "العفوية"، كأن تكون ارتباطات المشاركين حالت دون الاجتماع، إذ إنّ الواضح أنّ الأمر أكبر من ذلك كثير. ولعلّ المستوى الأول من التفسيرات يستند إلى بنية "الميكانيزم" نفسها، التي تعاني التباسًا في الدور منذ ولادتها، ما حوّلها لأشهر طويلة إلى لجنة "تعدّ" الخروقات، وتسعى لتثبيت الهدوء، من دون أن يُرصَد له أيّ دور خارج هذا السياق. أما اليوم، ومع توسّع دورها، خصوصًا بعد تحوّلها إلى لجنة "تفاوض" إن صحّ التعبير، يبدو أنّ الخلافات اتسعت أيضًا، خصوصًا مع حساسية التوازن بين الرعاة وحضور أكثر من مقاربة داخل الفريق الدولي نفسه.
بالتوازي، ثمّة من يتحدّث عن صراع على "المحتوى" الذي يجب أن تحمله اللجنة. فلبنان، بحسب ما يُنقل في كواليس التفاوض، حاول منذ البداية تثبيت ثوابت واضحة، وهي عودة السكان إلى قراهم أولًا، وربط أي مسار اقتصادي بإعادة الإعمار بعد العودة، وإدراج إنجازات الجيش جنوب الليطاني في سردية اللجنة لا في بيانات الداخل فقط. في المقابل، تتجه المقاربة
الإسرائيلية، وفق توصيفات متداولة، إلى طرح أمني "قاسٍ" يركز على ضمان أمنها أولًا، مع نزعة إلى حصر
النقاش بما يخدم هذا الهدف، أو إلى تجنّب تحويل اللجنة إلى مساحة تُناقش فيها ملفات تعتبرها
إسرائيل "خسائر تفاوضية" مثل الانسحاب من نقاط احتلتها أو وقف الاعتداءات أو ملفات الأسرى.
هنا يصبح تعطيل اللجنة، أو إبقاؤها معلّقة، ورقة ضغط بحد ذاتها، بمعنى أنّ لا اجتماع بلا "أثمان"، ولا عودة للآلية إلا بعد تعديل قواعدها أو جدولها أو سقفها. ولعلّ هذا التفسير يتقاطع في مكان ما مع التفسير الأخير المرتبط بالتوقيت. فتأجيل الاجتماع الذي كان مقرّرًا في 14 كانون الثاني بحكم الأمر الواقع، جاء في لحظة حساسة جدًا: ما قبل شباط الذي يُفترض أن يشهد انتقال الملف إلى مرحلة أكثر دقة (مرحلة شمال الليطاني)، وما قبل محطات دولية يريد لبنان أن يدخلها وهو يحمل "خطة" لا مجرد خطاب، وهو ما يضع التأجيل في سياق من الضغوط المستمرة على لبنان.
هل يجري تفكيك المفاوضات إلى مسارين؟
لعلّ السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس "متى يعود الاجتماع؟" بل "كيف سيعود؟"، في ظلّ فرضيات عديدة يتمّ تداوله في الأوساط الإعلامية والسياسية، من بينها فرضية تقوم على فصل المسار إلى خطين: الأول عسكري-تقني تُحصر به "الميكانيزم"، مهمته متابعة الميدان وترتيبات الانتشار وملف "شمال الليطاني" تحديدًا. والثاني سياسي-دبلوماسي يُفتح لملفات أوسع: حدود، انسحاب، وربما ما يُسمى "تعاونًا اقتصاديًا" أو ترتيبات أوسع من وقف النار نفسه.
هذا الفصل يبدو مغريًا للبعض لأنه "يُسرّع" العمل ويُخفف ازدحام الملف داخل لجنة واحدة. لكنه في المقابل يحمل مخاطرة لبنانية واضحة، فحين يُعزل المسار العسكري داخل لجنة ضيقة، وتُنقل السياسة إلى قناة أخرى، يصبح لبنان مهددًا بخسارة ميزة أساسية كانت توفرها "الميكانيزم"، وهي وجود سقف تفاوضي يواكب الميدان ويحدّ من منطق "الضغط بلا ضوابط". بمعنى آخر، قد يتحول الميدان إلى عصا، بينما يصبح المسار السياسي مساحة ابتزاز تفاوضي على قاعدة: "نفّذوا أولًا، نتفاوض لاحقًا".
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد المتصل بتوازنات الرعاة، خصوصًا مع الحديث عن تقليص أدوار بعض الأطراف داخل اللجنة، أو تحويلها إلى صيغة أكثر أحادية، فمثل هذا الأمر إن صحّ، لا يغيّر فقط شكل الاجتماع؛ بل يغيّر هوية "الحَكم" الذي يقرر ما يُعدّ إنجازًا وما يُعدّ تقصيرًا. ومن هنا نفهم يصبح التمسك الرسمي بالميكانيزم بهذه الحدة مفهومًا، فالبديل المطروح يبدو المجهول، أو مفاوضات بأثمان سياسية، ستكون بمثابة تنازلات إضافية.
بين 14 كانون الثاني الذي لم يشهد اجتماع اللجنة، وبين شباط الذي يحمل استحقاقات مفصلية، يصبح تجميد "الميكانيزم" أكثر من تعطيل: إنه اختبار لمن سيكتب قواعد اللعبة في المرحلة التالية. فإمّا أن يعود الإطار التفاوضي بما يضمن الحد الأدنى من التوازن، ويُترجم إنجازات
الدولة على الأرض إلى حماية سياسية، وإمّا أن يُستبدل تدريجيًا بمعادلة مختلفة: ضغط ميداني مفتوح، ومسارات تفاوض متشعبة، وبلد يُطلب منه أن يسبق التزاماته بسلال شروط.
وفي لبنان، حين تتحول اللجان إلى ساحات شدّ حبال، لا يعود السؤال عن "موعد الاجتماع" وحده كافيًا. السؤال الحقيقي هو: أي لبنان سيخرج من هذا التجميد؟ لبنان الذي يمسك بمساره، أم لبنان الذي يُدفع خطوة خطوة إلى طاولة تُعاد هندستها فوق رأسه؟