يستعد المجلس النيابي لمناقشة موازنة 2026، الأسبوع المقبل مبدئياً، بعد إنهاء لجنة المال دراسته أمس. وفي هذا الإطار، برزت اعتراضات من نواب "القوات اللبنانية" على مسار الجلسة الأخيرة، فكتب عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج على منصة "إكس": مخالفات واضحة في مناقشة الموازنة داخل لجنة المال والموازنة... طُرحت أكثر من 20 مادة إضافية من قبل وزارة المال خارج كل الأصول الدستورية والتشريعية، فقط للبحث عن إيرادات جديدة بلا تبرير، بلا دراسة جدوى، وبأرقام مجهولة.
وكتبت النائبة غادة ايوب، إن ما حصل هو تشريع خارج الأصول ومسّ بحقوق النواب داخل اللجنة وتجاوز لصلاحيات
مجلس الوزراء.
وكتبت" الاخبار":تقدّم الحكومة مشروع قانون تعديل رواتب القطاع العام على أنه يُسهم في استعادة جزء أساسي من القوّة الشرائية لموظفي القطاع العام. لكن الأرقام المطروحة تبقى اسمية، أي إن قياسها لا يتضمن احتساب الخسارة الفعلية المتحققة في القدرة الشرائية، وبالتالي فإن التصحيح الفعلي يجب أن يتضمن احتساب نسب التضخّم، ولا سيما منذ عام 2019 حتى اليوم. وعلى هذه
القاعدة العلمية والمنطقية، يظهر بموجب مشروع الحكومة أن التصحيح اللاحق بالأجور والرواتب العائدة للعاملين في القطاع العام لا يتجاوز 69% مما يجب أن تكون عليه الآن بعد احتساب التضخّم.
فإذا أخذنا بعض الوظائف المختارة من كل فئة من الفئات الوظيفية في الدولة اللبنانية، وكيف كانت أجورها قبل الأزمة، أي في عام 2019، وكيف ستصبح بعد التعديل، يمكن مقارنة ذلك مع التعديل الذي يجب أن يحصل ليجاري التضخّم. الفئة الأكثر استفادة من التعديل، بطبيعة الحال هي الفئة الأولى، التي ستصبح أجورها بعد التعديل تغطي نحو 86% من التضخّم الذي حصل من2019. أما باقي الفئات، الثانية والثالثة والرابعة والخامسة، فالتعديل يغطي ما بين 63% و65% من التضخّم الذي أصابها.
بهذا الشكل يُظهر مشروع التعديل خللاً توزيعياً واضحاً داخل القطاع العام نفسه. فالزيادات المقترحة تُفيد الفئات العليا نسبياً أكثر من الفئات الدنيا، رغم أنّ الأخيرة تنفق نسبة أعلى من دخلها على السلع الأساسية المتأثرة بالتضخّم. وبذلك، لا يكتفي المشروع بعدم تعويض الخسارة الحاصلة في الأجور، بل يُعيد إنتاج عدم المساواة داخل الإدارة العامة، بدلاً من تصحيحه.
من ناحية أخرى، لا يمكن قياس تعديل الأجور عبر احتساب كم كان الأجر بالدولار قبل الأزمة، وكم سيصبح بالدولار بعد التعديل. فالتضخّم منذ صيف 2023 لم يعد بسبب انهيار سعر الصرف، بل أصبح التضخّم بالدولار، أي إنّ أسعار السلع والخدمات الأساسية تُسعَّر وتُرفع بالدولار أو بما يوازيه، فيما تتآكل القيمة الفعلية لأي دخل ثابت حتى لو دُفع بالدولار، ما يجعل المقارنة بالدولار وحدها مضلِّلة ولا تعكس حجم التراجع الحقيقي في القدرة الشرائية.
فمنذ تثبيت سعر الصرف في منتصف 2023 حتى نهاية 2025 ارتفعت الأسعار بنسبة 63%، ما يعني أن الأسعار بالدولار ارتفعت منذ ذلك الوقت بنسبة 63%. بمعنى آخر ما كانت تشتريه الأسر بـ100 دولار في 2023، أصبحت تحتاج إلى 163 دولاراً لشرائه.
والأهم من ذلك، أنّ قياس الأجور لا يجب أن يتمّ مقارنةً بمؤشرات عامة فقط، بل انطلاقاً من كلفة سلة الاستهلاك الأساسية التي يحتاجها الموظف وعائلته للعيش. فالتضخّم لم يصبّ كل البنود بالوتيرة نفسها، بل طال بشكل خاص الغذاء، النقل، التعليم، الاستشفاء والكهرباء، وهي بنود تشكّل الحصة الأكبر من إنفاق الأسر.
وبالتالي، حتى لو كان التعديل الاسمي يغطي نحو 63% من التضخّم العام، فإنّه يغطي نسبة أدنى بكثير من التضخّم الفعلي الذي يطال نفقات المعيشة الأساسية، ما يعني أنّ فجوة القدرة الشرائية أعمق مما تعكسه الأرقام الرسمية.
وكتبت سلوى بعلبكي في" النهار": لم يتغير حجم مشروع موازنة 2026 إبان دراسته في لجنة المال والموازنة، ولم تمسّ التعديلات التي أدخلت توازن الموازنة كما أُحيلت من الحكومة، إذ اقتصر الأمر على نقل اعتمادات، جرى توجيه غالبيتها لمصلحة بنود تغطي الخدمات الاجتماعية والصحية، وتحسين عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية. هذا المسار، وفق رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، يندرج في إطار معالجة وضع استثنائي ناتج من سنوات الانهيار، مؤكداً أن "المهمة كانت صعبة جداً، لأننا نتعامل مع وضع أعقب الخروج من حالة الانهيار التي كنا فيها".
وإذ يشير إلى بعض الإصلاحات المحققة، يقول: "حتى اليوم لم نصل إلى التعافي الاقتصادي والمالي المطلوب". وإذ يصل مشروع موازنة 2026 المقدر بنحو 505 آلاف و720 مليار ليرة، أي ما يعادل 5 مليارات و650 مليون دولار، إلى الهيئة العامة محملاً ثقل الانهيار المالي المستمر، حاولت لجنة المال والموازنة إدخال تعديلات تعكس، ولو جزئياً، تحولاً في مقاربة الإنفاق والجباية، مع تركيز واضح على "الأولويات الاجتماعية".
المشروع الحكومي انطلق من منطق ضبط مالي تقليدي، يقوم على تثبيت الإيرادات وتقييد هامش الإنفاق في غياب إصلاحات بنيوية. إلا أن اللجنة اختارت التدخل في صلب "فذلكة" الموازنة، فألغت أكثر من 14 مادة ضريبية كانت تفرض ضرائب ورسوماً جديدة، لا سيما تلك المتعلقة بالرواتب، فيما يؤكد كنعان أن ما جرى "لا يرقى إلى عمل مثالي، فنحن بعيدون عن موازنات قائمة على خطط اقتصادية واضحة". وأعادت اللجنة توجيه الإنفاق نحو قطاعات أكثر إلحاحاً، فأضيفت 4500 مليار ليرة لوزارة الصحة للاستشفاء وأدوية السرطان، و1500 مليار ليرة لصندوق الأساتذة في وزارة التربية.
وشددت التعديلات على الرقابة وترشيد الصرف، ويشير كنعان إلى أن اللجنة قامت خلال 3 أشهر "برقابة على مؤسسات وهيئات تتلقى اعتمادات سنوية من دون حاجة فعلية إليها، مثل "أليسار"، وهذا أمر غير طبيعي يجب معالجته بقانون".
كذلك امتدت الرقابة إلى برامج وزارة الشؤون الاجتماعية، وإلى ملف الملحقين الاقتصاديين، حيث جمدت الاعتمادات في انتظار حسم وضعهم القانوني، تفادياً للصرف من دون غطاء واضح. أما إنمائياً، فقد رصدت اعتمادات لمشاريع طرق رئيسية، بينها أوتوستراد جونية والأوتوستراد العربي، لترتفع موازنة وزارة الأشغال، مع التدوير، إلى ما يوازي نحو 20 ألف مليار ليرة مخصصة للبنية التحتية.