بين المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن أهمية حصر السلاح في يد الدولة، وبين إدانته للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بوتيرة متصاعدة في جنوب الليطاني كما في شماله وفي البقاع، خيط رفيع وغير متعرّج في مسار السيادة اللبنانية غير المنقوصة وغير المجتزأة وغير المنحازة.
وعلى رغم أن هذه المواقف تقود البعض إلى انتقادات متناقضة في الشكل وفي المضمون، فإن الرئاسة اللبنانية ترسم لنفسها خطًّا متوازيًا للمفهوم الحقيقي لمعنى السيادة بشموليتها المتكاملة الحلقات، والتي على أساسها تخاطب العالم من منطلق المصلحة اللبنانية، التي تعلو على أي مصلحة أخرى، مع الأخذ في الاعتبار، بكل تأكيد، ما يدور في المنطقة من أحداث وتطورات ستؤول نتائجها الحتمية إلى تغيير جذري في الخارطة الجيوسياسية.
وهذه المواقف الرئاسية هي محلّ تقييم دولي وبالأخص أميركي عشية الزيارة المرتقبة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن، التي تأتي في توقيت غير عادي، ولا يمكن بالتالي فصلها عن المسار السياسي الذي بدأ يتشكّل، بهدوء، حول موقع الدولة اللبنانية ودورها الأمني، ولا عن الاستعداد الأميركي السابق لاستقبال الرئيس عون في
البيت الأبيض. فهذه الزيارة، في مضمونها وتوقيتها، تبدو أقرب إلى خطوة تمهيدية محسوبة، هدفها اختبار الأرضية قبل الانتقال من التنسيق العسكري إلى الشراكة السياسية على أعلى المستويات.
وفق بعض الخبراء في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، وبحسب ما يدور في العقل الأميركي، فإن الرهان الأميركي على
لبنان لا يبدأ من بعبدا، بل من اليرزة. وهذا الأمر يعرفه جيدًا الرئيس عون، وخبره قبل انتقاله من قيادة الجيش إلى الرئاسة الأولى. فالمؤسسة العسكرية هي المعيار الأول لقياس جدّية الدولة وقدرتها على تنفيذ أي
التزام سيادي. من هنا، يمكن فهم لماذا لم يحظَ رئيس الجمهورية باهتمام أميركي لافت عندما شارك في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على رغم ما أبداه الرئيس الأميركي
دونالد ترامب من استعداد لاستقباله، إذ أن الدولة اللبنانية لم تكن تملك يومها "إنجازًا أمنيًا" قابلاً للبناء عليه، ولا خارطة طريق واضحة يمكن "تسويقها" في
واشنطن. فالجنوب كان مفتوحًا أمام شتى الاحتمالات، فيما كان القرار الأمني موزّعًا بين منطقين متناقضين، وكان السلاح خارج الدولة العنوان الأبرز لمرحلة ما قبل 5 آب. وهذا ما حدا بالرئيس الأميركي إلى القول بأنه سيعمل شيئًا ما بالنسبة إلى لبنان.
فالمشهد اليوم قد تغيّر نسبيًا، من حيث تثبيت المرحلة الأولى جنوب الليطاني، وبدء الجيش بلعب دور أكثر حضورًا في هذه المنطقة الجغرافية الحسّاسة. ولا يُخفى أن هذين العاملين قد أتاحا إعادة فتح القناة المباشرة مع واشنطن من باب المؤسسة العسكرية. فزيارة العماد هيكل تأتي لتؤكد أن الدولة اللبنانية، أو ما تبقّى من هيكلها، قررت أن تبدأ من حيث يمكن البدء، أي من المؤسسة العسكرية الضامنة لأي استقرار مستقبلي، وليس من التسويات السياسية الهشّة ولا من الخطابات العالية السقف.
وفي هذا السياق، تبدو الزيارة وكأنها اختبار تمهيدي لمدى قدرة الجيش على تحمّل مسؤولية أدوار إضافية، وخصوصًا في شمال الليطاني، حيث لم يعد هذا الملف تفصيلاً تقنيًا، بل بات جزءًا من النقاش الدولي حول مستقبل الاستقرار في لبنان. فواشنطن تريد تأكيدات بأن أي انتقال إلى المرحلة الثانية سيكون مضبوط الإيقاع، ولو تدريجيًا، ومن دون احتمال الانزلاق إلى مواجهة داخلية. والجيش، في المقابل، يحتاج إلى غطاء سياسي ودعم مادي واضح كي لا يتحوّل إلى واجهة مكشوفة لصراع أكبر منه.
من هنا، يمكن القول إن زيارة قائد الجيش قد تكون المدخل الفعلي لإنضاج زيارة رئيس الجمهورية للبيت الأبيض. فإذا أثبتت المؤسسة العسكرية قدرتها على الالتزام بالمسار المرسوم لها، يصبح استقبال الرئيس اللبناني خطوة حتمية خارج إطار المجاملة الديبلوماسية. فالزيارة، التي يُحضّر لها بدقة وحرفية، لن تكون لمجرد التقاط صورة تذكارية، بل تتويج لمسار متدرّج بثلاث مراحل واضحة المعالم.
المرحلة الأولى كانت في جنوب الليطاني، حيث جرى تثبيت دور الجيش ومنع الانفلات. والمرحلة الثانية، وهي الأكثر تعقيدًا، تتعلّق بشمال الليطاني، أي بتعميم تجربة المرحلة الأولى بأسلوب مختلف، يقوم على الانتشار والضبط وتفكيك الوظيفة السياسية للسلاح غير الشرعي من دون صدام مباشر. أما المرحلة الثالثة، فهي إعادة طرح مسألة السلاح والاستراتيجية الوطنية على مستوى كل لبنان، تحت سقف الدولة وبغطاء دولي وعربي.
وفي هذا الإطار، تصبح زيارة رئيس الجمهورية لواشنطن، إذا نضجت ظروفها، بمثابة الختم السياسي الدولي على هذا المسار. وهذا تحديدًا ما يفسّر القلق المتزايد لدى "
حزب الله" وتصعيد خطابه. فالمشكلة بالنسبة إليه ليست في قرار فوري بنزع السلاح، بل في مسار تدريجي يفرغ هذا السلاح من وظيفته السياسية ويعيد الاعتبار إلى منطق الدولة.
فزيارة قائد الجيش لواشنطن ليست حدثًا قائمًا بذاته، بل حلقة أساسية في سلسلة مترابطة، وهي: تحصين الجيش وتقوية قدراته عدّة وعديدًا، تعميم تجربة جنوب الليطاني على شماله، ومن ثم على كل الأراضي اللبنانية، ثم الانتقال إلى مستوى سياسي أعلى. أما زيارة الرئيس عون المحتملة للبيت الأبيض، فلن تكون إلا تتويجًا لهذا المسار، وإعلانًا بأن لبنان بدأ، ولو ببطء، الانتقال من إدارة الانهيار إلى إدارة التحوّل.