في مشهد تتقدم فيه قطر كمدخل عملي مباشر لدعم الاستقرار، ترفع باريس سقف المقاربة السياسيّة المشروطة بالإصلاح والسيادة. وبين هذين المسارين، يحاول رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون التقاط فرصةٍ نادرة لإعادة تثبيت مؤسّسات الدولة.
في هذا السياق، يصل وزير الدولة في
وزارة الخارجية القطريّة محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى
بيروت يوم الاثنين، في محاولة لإعادة تركيب المشهد من بوابة الدعم التنفيذي والنصائح السياسية.
وبحسب مصادر سياسية، يحمل الزائر القطري حزمة مساعدات مرتقبة لقطاعات حيوية كالتربية والصحة، إضافة إلى أفق تعاون في ملف الطاقة والكهرباء، مع طرح عملي لتأمين استجرار الغاز لزيادة التغذية.
وفي الإطار نفسه، يتوجه وفد عسكري من الجيش اللبناني الأسبوع المقبل إلى واشنطن للقاء القيادة الوسطى الأميركيّة (CENTCOM)، تمهيدا لمباحثات قائد الجيش المقررة هناك بين الثالث والخامس من شباط. ووفق المعطيات، فإن المساعي والاتصالات جارية على المستويين السياسي والعسكري تحضيرا لمؤتمري الدوحة وباريس، ولتثبيت مسار الدعم الدولي للجيش في المرحلة المقبلة. فالدوحة تستضيف منتصف شباط مؤتمرا لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي بمشاركة الدول الخمس المعنية بلبنان ودول مانحة أخرى، حيث لا يقتصر الطرح على مساعدات طارئة، بل على مسار تصاعدي لتحسين الرواتب وتعزيز القدرة التشغيليّة للمؤسّسة العسكريّة.
وبالتوازي، تتحرّك باريس من زاوية سياسيّة أشمل. إذ استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه رئيس الحكومة نواف سلام، الذي شدد على ضرورة وقف الخروقات الإسرائيليّة للسيادة اللبنانيّة وانسحاب
إسرائيل من كامل الأراضي التي لا تزال تحتلها، مؤكّدا تمسّك
لبنان بالتنفيذ الكامل لإعلان وقف العمليات العدائية الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني 2024.
كما أكد سلام
التزام حكومته استكمال عمليّة حصر السلاح في كل الأراضي اللبنانيّة وفق الخطة التي وضعها الجيش في أيلول الماضي، معتبرا أنّ أي رهان على عكس ذلك هو مغامرة لن تجلب للبنان سوى مزيد من عدم الاستقرار والمآسي.
في المقابل، أوضح ماكرون أن باريس تعمل على التحضير لمؤتمر دعم القوات المسلحة
اللبنانية، مشيرا إلى أن هدفه تعزيز قدرات الجيش ودوره الأساسي في خدمة استقرار لبنان وسيادته. كما شدد على أهميّة إقرار قانون الفجوة الماليّة بعد مناقشته في اللجان النيابيّة المختصّة، بما يفتح الباب أمام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب التحضير لمؤتمر في باريس لدعم التعافي وإعادة الإعمار في لبنان.
وفي موقف متقاطع مع هذا التوجّه، شدّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون على أنّ الاتصالات الدوليّة التي يجريها لبنان تركز أولًا على وقف الاعتداءات الإسرائيليّة والانسحاب من الأراضي المحتلّة، معتبرا أن لا سلام للبنان من دون سلامة جنوبه. وأكد أن تعزيز انتشار الجيش في القرى الحدوديّة يشكل أولوية لحماية الأهالي وتثبيت الأمن وفتح الطريق أمام عودتهم وإطلاق ورشة الإعمار، مشددا على أن ملف التعويضات وإعادة البناء هو التزام للدولة لا يحتمل التأجيل.
وفي الإطار الداخلي، زار رئيس مجلس النواب
نبيه برّي أمس رئيس الجمهوريّة في بعبدا، حيث جرى البحث في التطوّرات السياسيّة والأمنيّة، ولا سيّما الأوضاع في الجنوب، والاستحقاقات الدستوريّة المقبلة، وملف الإعمار والتعويضات.
وبحسب مصادر متابعة، أكد الرئيس عون خلال اللقاء أن الانتخابات ستجرى في مواعيدها الدستوريّة، نافيا ما يتداول عن إمكانيّة تأجيلها، ومشددا على حرصه على إنجازها في وقتها المحدد.
في المقابل، أكد بري أنّ اللجان النيابيّة تواصل عملها في ما يتصل بقوانين الانتخابات، وأنه مع إجراء الانتخابات وفق القانون النافذ، داعيا الحكومة إلى دعوة الهيئات الناخبة ضمن المهل الدستورية.
وفي الشقّ الأمني، اتفق الرئيسان على ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية مع الدول الضامنة للضغط على إسرائيل وكبح اعتداءاتها المتواصلة، والتشديد على تطبيق كامل التفاهمات القائمة.
ولفت بري إلى أهميّة أن يشعر أبناء الجنوب بحرص الدولة عليهم، معتبرًا أنّ إسرائيل مطالبة بتنفيذ ما عليها، ولا سيما أن الالتزام بالاتفاق تم من الجانب اللبناني بشهادة المؤسّسات الدوليّة.
أمّا في ملف الإعمار، فدعا برّي إلى المباشرة الفوريّة بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين لما لذلك من أثر مباشر في عودة الأهالي إلى قراهم، معتبرا أن الإعمار يشكّل وعدا حكوميا وأحد أولويات الدولة في المرحلة الراهنة. كذلك تناول اللقاء قانون الفجوة الماليّة وانعكاساته على أموال المودعين، حيث أبدى رئيس المجلس تحفّظات عدّة على بعض بنوده، داعيًا إلى مقاربة تضمن العدالة وتحمي الحقوق.وتأتي زيارة رئيس مجلس النواب إلى بعبدا في سياق واضح لتخفيف حدة التوتر السياسي وتشجيع إعادة فتح قنوات التواصل على خط رئاسة الجمهورية وحزب الله في هذه المرحلة الدقيقة وتفاديا لتحويل الخلافات السياسية إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار.