تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

أي دور يمكن أن يلعبه بري بين "بعبدا" و"حارة حريك"؟

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
25-01-2026 | 02:00
A-
A+
أي دور يمكن أن يلعبه بري بين بعبدا وحارة حريك؟
أي دور يمكن أن يلعبه بري بين بعبدا وحارة حريك؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
عندما سأل رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" النائب سامي الجميل، في إحدى مداخلاته في الهيئة العامة لمجلس النواب، رئيس المجلس نبيه بري، عمّا إذا كان مع حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، فهزّ برأسه موافقًا. وعليه استنتج رئيس "الكتائب" بأن تسعين في المئة من النواب، الذين يمثّلون تسعين في المئة من الشعب اللبناني، هم مع هذه الحصرية. وعندما يُقال حصرية فهذا لا يعني بالمفهوم السيادي للكلمة نصف حصرية أو ثلاثة أرباع، أو بمعنىً آخر وهو أن تمتلك الدولة هذا الحق في جنوب نهر الليطاني، ويُمنع عنها هذا الحق في شمال النهر، وبالتالي في كل لبنان، من جنوبه إلى شماله، ومن سهله إلى ساحله. فالسيادة، يا سادة، لا تُجزّأ ولا تُجتزأ.

وفي سيناريو افتراضي لما جرى من حديث بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وبين الرئيس بري في لقائهما في القصر الجمهوري، لا بدّ من أن يكون الأول قد سأل الثاني السؤال نفسه الذي سبق أن سأله إياه النائب الجميل قبل نحو خمسة أشهر تقريبًا. دولة الرئيس، هل أنت مع حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها من دون أي شريك معها، وهل أن كلامي إلى تلفزيون لبنان يتعارض مع خطاب القسم، الذي صفقّت له وصفقّ له معظم النواب وأغلبية الشعب اللبناني، وهل هو خارج سياق البيان الوزاري، الذي وافق عليه وزراء "الثنائي الشيعي"، وهل يستوجب هذا الحديث كل هذه الحملة العشوائية، التي يشنّها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي؟

لا بد من أن هذه الأسئلة الافتراضية لاقت أجوبة افتراضية أيضًا، وهي تمحورت حول أهمية الأخذ في الاعتبار هواجس "حزب الله"، الذي لا يعارض في المطلق أن يُحصر أي سلاح في يد القوى الشرعية اللبنانية، شرط أن يكون أمن جميع اللبنانيين مضمونًا، وأن يتأمّن انسحاب كامل وشامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية، وأن يوقف اعتداءاته اليومية، وأن يُحرّر الأسرى اللبنانيون، وأن يُعاد بناء ما هدّمته إسرائيل.

هذا اللقاء بين الرئيسين عون وبري في هذا الظرف الدقيق والحساس هو محطة سياسية بالغة الدلالة، ليس فقط لكونه أتى في هذه اللحظة الحسّاسة من عمر العهد، بل لأنه فتح كوة في جدار التوتر المتصاعد بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله". فإشارة بري إلى أن اللقاء كان "ممتازًا" لم تكن توصيفًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة سياسية محسوبة بعناية، هدفت إلى تبريد الساحة وامتصاص الاحتقان الذي راكمته المساجلات الإعلامية والقراءات المتناقضة لمواقف رئيس الجمهورية، لا سيما في ما يتصل بمسألة السيادة وحصرية القرار الأمني والعسكري.

فمنذ انتخابه، حرص الرئيس عون على رسم معادلة واضحة، وهي أن رئيس جمهورية لا يخاصم أحدًا، لكنه لا يساوم على الدستور، ولا يهادن بالتالي في القضايا السيادية. هذه المقاربة، وإن لاقت ترحيبًا واسعًا في الشارع اللبناني، وضعت العهد سريعًا في تماس غير مباشر مع "حزب الله"، الذي اعتاد على رؤساء يفضّلون إدارة التناقضات بالتأجيل لا بالمواجهة الهادئة. هنا تحديدًا برز دور الرئيس بري، بوصفه اللاعب الأقدر على الوقوف في المسافة الفاصلة بين بعبدا والضاحية، لا كوسيط محايد فحسب، بل كضامن للتوازنات الدقيقة داخل المعادلة الشيعية – الوطنية الأوسع.

فالرئيس بري يدرك أن أي صدام مفتوح بين رئيس الجمهورية و"حزب الله" لن يصبّ في مصلحة أحد، لا الحزب ولا العهد ولا الاستقرار الهش أصلًا. كما يدرك، في المقابل، أن تجاهل هواجس رئيس الجمهورية أو محاولة تطويقها سياسيًا سيؤدي إلى نتيجة عكسية، تُضعف موقع الرئاسة وتُعيد إنتاج مناخات الاشتباك المؤسساتي التي خبرها اللبنانيون في مراحل سابقة. من هنا، يمكن قراءة تحرّك بري على أنه محاولة لإعادة ضبط الإيقاع، لا لوضع العصي في دواليب مسيرة العهد، ولا لمنح "الحزب" شيكًا على بياض.

الدور الذي يستطيع الرئيس بري أن يلعبه في المرحلة المقبلة يتوزع على أكثر من مستوى. أولًا، إعادة فتح قنوات التواصل غير المعلنة بين بعبدا و"حزب الله"، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي وخطابات الشحن. ثانيًا، المساهمة في صياغة "لغة مشتركة" تسمح لكل طرف بالتمسّك بمواقفه من دون تحويلها إلى أدوات استفزاز متبادل. وثالثًا، وهو الأهم، منع أي محاولة لجرّ الخلاف إلى الشارع أو إلى المؤسسات، لأن كلفة ذلك ستكون باهظة على الجميع.

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يسعى الرئيس بري إلى إدارة التوتر تمهيدًا لحلّ، أم إلى شراء الوقت في انتظار تبدّل المعطيات الإقليمية؟ التجربة السياسية الطويلة لرئيس المجلس توحي بأنه يفضّل دائمًا خيار الاحتواء المرحلي، ريثما تنضج التسويات الكبرى. غير أن المعادلة اليوم مختلفة. فالعهد في بداياته، والرئيس عون يمتلك رصيدًا معنويًا وشعبيًا لا يُستهان به، كما أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم أدوار وحدود نفوذ، ما يجعل سياسة تدوير الزوايا أقل قابلية للاستمرار.

من هنا، فإن نجاح الرئيس بري في لعب دور "صمّام الأمان" بين "بعبدا" و"حارة حريك" سيبقى مشروطًا بقدرته على إقناع "حزب الله" بأن العهد ليس خصمًا، وبقدرته في الوقت نفسه على طمأنة رئيس الجمهورية إلى أن الحوار لا يعني التنازل عن الثوابت. فإما أن يكون بري جسر عبور نحو تفاهم عقلاني يحمي الدولة ويخفف من منسوب التشنج، وإما أن يتحوّل دوره، من حيث لا يريد، إلى مجرّد إدارة أزمة مؤجلة، سرعان ما تعود للانفجار عند أول اختبار جدي.

فالرئيس بري يقف اليوم أمام اختبار سياسي دقيق: إما أن يكرّس نفسه شريكًا في تثبيت موقع رئاسة الجمهورية كمرجعية جامعة، أو أن يكتفي بدور الإطفائي السياسي في بلد لم يعد يحتمل حرائق مؤجلة. والأيام القليلة المقبلة كفيلة بإظهار أي خيار سيسلكه الرجل الذي يعرف أكثر من سواه أن التوازن في لبنان لا يُدار بالشعارات، بل بالحسابات الدقيقة.
 
Advertisement
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas