تتوالى المنخفضات الجوية تباعًا على لبنان، في مشهد يُعدّ من أبرز النعم التي ينعكس خيرها على البلاد، إذ تسهم في دعم القطاع الزراعي، وتروي الأشجار والمزروعات بعد فترات من الجفاف.
إلّا أنّ هذا الطقس يترافق مع موجات برد قارس، ما يجعل الاستغناء عن وسائل التدفئة أمرًا غير ممكن. ففي المدن، يعتمد السكان بشكل أساسي على أجهزة التدفئة الحديثة، مثل المكيّفات الهوائية، وأنظمة التدفئة المركزية، إضافة إلى المدافئ الكهربائية، وذلك في ظل الاكتظاظ السكاني ونمط العيش.
أمّا في المناطق الجبلية، فتشتدّ البرودة بشكل ملحوظ، حيث تنخفض درجات الحرارة في معظم القرى إلى حدود الصفر المئوي، وأحيانًا إلى ما دون ذلك، وغالبًا ما تترافق مع تساقط للثلوج. وفي هذه البلدات، يلجأ المواطنون إلى وسائل التدفئة التقليدية أكثر من غيرها، كونها تؤمّن دفئًا أعلى وتُعدّ خيارًا أوفر نسبيًا في ظل الظروف المناخية القاسية.
لكن خلف هذا الواقع، تبرز معضلة بيئية خطيرة، إذ يلجأ بعض المواطنين إلى قطع الأشجار لاستخدامها في التدفئة، بما في ذلك أشجار معمّرة. وقد تجلّت هذه الأزمة أخيرًا في ما وُصف بـ"المجزرة البيئية" في مشاع حردين، حيث وثّقت مقاطع فيديو قطع أشجار قديمة من دون أي محاسبة تُذكر. وكما هي الحال في كثير من الملفات
اللبنانية، يجد بعض المتورطين في هذه المخالفات غطاءً لدى جهات سياسية نافذة.
فمثلًا، غسّان المقيم في بلدة جبلية في عكّار، وهو أب لخمسة أولاد، يحتاج خلال فصل الشتاء إلى ما لا يقلّ عن ستة أطنان من الحطب. وتُقدَّر كلفة هذه الكمية، وفق أسعار البيع في منطقته، بما يتراوح بين ألف و1200 دولار، وهو مبلغ ليس بسيطًا، إلا أنّه يبقى، بحسب تعبيره، أقل كلفة من الاعتماد على المحروقات للتدفئة.
ويشرح غسّان أنّ شراء الحطب بأسعار أقل بات أمرًا سهلًا، إذ يكفي تصفّح منصّة "فايسبوك" للعثور على عدد كبير من الصفحات التي تعرض أنواعًا مختلفة من الحطب، مثل الصنوبر والسنديان والليمون والكينا. وتختلف الأسعار بحسب النوع، لكنها عمومًا تتراوح بين 70 و200 دولار للطن الواحد.
عواقب قطع الأشجار
في حديثٍ لـ "
لبنان 24"، يوضح خبير بيئي أنّ قطع الأشجار يخلّف تداعيات سلبية واسعة تطال البيئة والمجتمع على حدّ سواء. ويؤكّد أنّ لبنان خسر نحو 13% من مساحاته الخضراء بين عامي 2001 و2025، أي ما يعادل قرابة 8 آلاف هكتار، وما بين 3 و7 ملايين شجرة، مشيرًا إلى أنّ هذا الواقع يسرّع تآكل التربة ويرفع منسوب مخاطر السيول والانهيارات، لا سيّما في المناطق الجبلية.
ويلفت إلى أنّ هذه الممارسات تُضعف في الوقت نفسه قدرة الأحواض المائية على الاحتفاظ بالمياه، ما يؤدّي إلى تراجع موارد مياه الشرب والري. كما يؤكّد أنّ فقدان الغطاء النباتي ينعكس تراجعًا في الحياة البرّية والتنوّع الحيوي، مع تدمير موائل أنواع نادرة.
ويضيف أنّ قطع الأشجار يساهم في ارتفاع درجات الحرارة محليًا، ويحدّ من قدرة الطبيعة على امتصاص الكربون، ما يزيد من حدّة آثار التغيّر المناخي. وعلى الصعيد الصحي، تتفاقم مشكلات الغبار وتدهور جودة الهواء، فيما تتأثّر الحياة المجتمعية مع تقلّص المساحات الخضراء واندثار الطابع التراثي للبيئة الطبيعية.
ما عقوبة القطع العشوائي للأشجار؟
يفرض القانون غرامات مالية على مخالفات قطع الأشجار وبيع الحطب من دون ترخيص، وتُحتسب إمّا عن كل شجرة مقطوعة أو بحسب وزن الحطب، إلى جانب مصادرة كميات الحطب والأدوات المستخدمة في المخالفة.
أمّا في المخالفات الجسيمة، مثل تزوير الرخص أو الأختام، أو الاعتداء على موظفي ومعدّات مصلحة الغابات، أو تكرار قطع الأشجار المحظورة، فقد تصل العقوبة إلى السجن من عدة أشهر وحتى ثلاث سنوات، مع إحالة المخالفين إلى
القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
ويعتبر الخبير البيئي أنّ الإطار القانوني القائم يُعدّ جيّدًا، إلا أنّ المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تطبيقه، في ظل غياب الرقابة الفاعلة، والاستحصال على رخص لقطع الأشجار بطرق غير قانونية، إضافة إلى الغطاء السياسي لبعض المخالفات، فضلًا عن عدم توقيف المتورّطين في بعض الحالات نتيجة اكتظاظ السجون.
فبين اعتماد الحطب كوسيلة أوفر للتدفئة، وجشع بعض التجّار والسعي إلى تحقيق الأرباح، واستمرار المجازر البيئية بحق الغابات، وتراجع المساحات الخضراء في ظل غياب الرقابة القانونية، يبرز السؤال: إلى متى سيبقى قطع الحطب العشوائي مستمرًا؟