كتب ماجد يوسف: في
لبنان اليوم، أصبح النجاح عبئًا أكثر منه إنجازًا، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي. إذ يُصوَّر رجال الأعمال بشكل متزايد كأهداف للهجوم، ويُتعامل مع
الثروة وكأنها دليل إدانة لا نتيجة عمل ومبادرة ومخاطرة. ويبرز هذا النهج بوضوح في الحملات المنظمة التي تستهدف
نجيب وطه
ميقاتي ودورهما في مدينة
طرابلس. هذه الحملات لا تسيء إلى أفراد بعينهم فحسب، بل تشكّل أيضًا تهديدًا حقيقيًا للقطاع الخاص، وهو القطاع
الوحيد الذي لا يزال يعمل نسبيًا في لبنان.
غالبًا ما يُتناول اسم نجيب وطه ميقاتي كرمز أكثر منهما كأشخاص لهم سجل واضح. غير أن المشهد الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي الحديث في طرابلس يحمل بصمات استثماراتهما ومبادراتهما. فمن خلال توفير فرص عمل ودعم مؤسسات وخدمات عجزت الدولة عن توفيرها، ساهمت جهودهما في إبقاء أجزاء من المدينة صامدة خلال سنوات الانهيار الوطني. النقد حق مشروع في أي نقاش عام، لكن اختزال أزمات حضرية معقدة في “مسؤولية” عائلة واحدة هو طرح غير دقيق وغير بنّاء.
إن ما تعيشه طرابلس اليوم هو نتيجة عقود طويلة من الخلل البنيوي في النظام. فقد اعتمد لبنان نموذج حكم مركزيًا مفرطًا، ركّز التنمية والموارد في دائرة سياسية واقتصادية ضيقة، فيما تُركت مدن كطرابلس وغيرها خارج هذا المركز تعاني الإهمال المزمن. تراجع الاستثمار في البنى التحتية، وضعفت
الخدمات العامة، وجُرّدت البلديات من صلاحياتها الفعلية، ما راكم الأزمات عبر السنين.
كما أن النزوح من المناطق الريفية إلى المدن فاقم معدلات الفقر والتهميش. فقد انتقلت عائلات كثيرة إلى طرابلس بحثًا عن فرص أفضل، لكنها اصطدمت بخدمات منهكة، وسكن عشوائي، وغياب شبه كامل للرقابة الرسمية. في هذا السياق، لا يُعد انتشار الأبنية غير القانونية أو غير الآمنة أمرًا مفاجئًا، بل هو نتيجة مباشرة لغياب سلطة بلدية فاعلة وأنظمة رقابة عامة جدية، ما جعل
الكوارث الناتجة عن ذلك متوقعة لا استثنائية.
إن تحميل الثروة أو النجاح مسؤولية هذه الوقائع يصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية. فالقطاع الخاص في لبنان، رغم ما تعرض له من ضربات، ظل لعقود يسد فراغ الدولة، ويوفر فرص العمل والخدمات والاستقرار حيث فشلت المؤسسات العامة. وتحويل الغضب الشعبي نحو رجال الأعمال عبر حملات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي يهدد بطرد ما تبقى من استثمار، ويعمّق الانهيار الاقتصادي.
طرابلس لا تحتاج إلى كبش فداء، بل إلى حلول جذرية. وفي مقدمتها اعتماد سياسة تنموية وطنية لا مركزية، تعزز صلاحيات البلديات، وتوزّع الموارد بعدالة، وتعالج التفاوت المناطقي من جذوره. فلا عائلة واحدة، مهما بلغت قدراتها أو نواياها، قادرة على سد الفجوات الهائلة التي صنعها نظام مختل على مدى عقود.
إن الدفاع عن نجيب وطه ميقاتي لا يعني إنكار عمق الأزمة
اللبنانية، بل يعني تسمية الأمور بأسمائها الصحيحة. فنهضة طرابلس لن تتحقق عبر مهاجمة النجاح، بل من خلال إصلاح النظام الذي خذل المدينة منذ زمن طويل.