تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

إيران وساحات المنطقة… معركة الاحتمالات المفتوحة

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
27-01-2026 | 03:00
A-
A+
إيران وساحات المنطقة… معركة الاحتمالات المفتوحة
إيران وساحات المنطقة… معركة الاحتمالات المفتوحة photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تقف المنطقة اليوم عند حافة تحوّل حاسم، حيث تتراكم الوقائع الميدانية والسياسية بوتيرة متسارعة، ويضيق هامش المناورة أمام جميع الأطراف. فالتصعيد لم يعد محصوراً بسقف الرسائل المتبادلة، بل بات مرتبطاً بإعادة طرح أسئلة كبرى حول مستقبل التوازن الإقليمي وحدود الصراع. في هذا المناخ المشحون، تتحول أي خطوة محسوبة أو مترددة إلى عامل ضغط إضافي، فيما يُقرأ الكلام السياسي بوصفه مؤشراً على اتجاهات المرحلة المقبلة.

تشير مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن المنطقة دخلت عملياً مرحلة ما قبل القرار في ما يتصل بإمكانية توسّع المواجهة المرتبطة بالملف الإيراني، حيث إن النقاش الدائر لم يعد مرتبطاً بسؤال حول ما إذا كان التصعيد سيتحوّل إلى مواجهة مفتوحة، بل بكيفية إدارتها وحدودها وأثمانها. فالتصعيد القائم، والرسائل المتبادلة سياسياً وعسكرياً، يعكسان انتقالاً واضحاً من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة اختبار التوازنات، في ظلّ انسداد مسارات التسوية وتراجع قدرة الوسطاء على ضبط الإيقاع.

في هذا الإطار، يندرج الموقف الصادر عن قيادة "حزب الله" ضمن محاولة ضبط المعنى السياسي للتصعيد القائم، إذ إنّ المقاربة المطروحة تقوم على تثبيت معادلة عامة من دون الذهاب إلى التزامات زمنية أو ميدانية مسبقة. فالربط بين الموقف من أي هجوم محتمل على إيران وبين تقدير الظروف يعكس قراءة تعتبر أن الصراع المقبل، إن تطوّر، سيتخذ طابعاً إقليمياً مفتوحاً، بحيث يصبح التدخل مسألة تقدير استراتيجي مرتبط بحجم الاستهداف وطبيعته وليس برد فعل تلقائي. وبالتالي، فإن التحذير من اتساع رقعة الحرب يندرج ضمن توصيف واقعي لمسار تصاعدي قائم أصلاً.

وعليه، تتقاطع هذه المقاربة مع مواقف صدرت عن أطراف أخرى منضوية ضمن محور واحد، حيث أن التصريحات الصادرة من العراق، وكذلك التأكيدات من اليمن حول الشراكة الكاملة في الموقف، تعبّر عن إدراك مشترك لطبيعة المرحلة. غير أن هذا التلاقي في التقدير السياسي لا يعني تطابقاً في توقيت الفعل أو شكله، إذ إنّ بعض الساحات قد تميل إلى اعتماد ادارة الحضور الميداني بحذر بناء على حسابات تتصل بالحفاظ على القدرة وعدم كشف الأوراق دفعة واحدة. وفي هذا السياق، يصبح التدخل الفعلي مرتبطاً بمستوى الخطر الذي قد تتعرض له إيران وبكيفية إدارتها للرد، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على باقي الساحات.

من جهة أخرى، يتقاطع المشهد الإقليمي مع معطيات متداولة داخل الدوائر الغربية تشير إلى تردد واضح في واشنطن، وانقسام فعلي داخل المؤسسات العسكرية والسياسية الأميركية والإسرائيلية حول جدوى توجيه ضربة واسعة. هذا التردد، وفق المصادر، يرتبط بتقدير الكلفة وليس بالقدرة، حيث أن أي مواجهة مفتوحة قد تفضي إلى نتائج تتجاوز الأهداف المعلنة. وتشير قراءات متقاطعة إلى أن المطلب الأميركي الأساسي يتمحور حول تفكيك شبكة الدعم التي توفرها إيران لحركات المقاومة في المنطقة، ما يعني أن الاستهداف المحتمل يتجاوز فكرة الضغط المحدود نحو محاولة كسر بنية إقليمية كاملة.

وبناءً على طبيعة المؤشرات القائمة، فإن أي مواجهة يجري التداول بها لا يمكن قراءتها كخيار ضغط محدود، فما يُطرح يتصل بمسعى لتغيير موقع إيران في المعادلة الإقليمية، حيث ان استمرارها في موقعها الحالي يعني استمرار منظومة تعطيل لمسار إقليمي تسعى إسرائيل إلى فرضه منذ سنوات، لأن وجودها يشكّل عقدة سياسية وأمنية أمام مشروع إعادة ترتيب المنطقة وفق توازنات جديدة. من هنا، فإن استهدافها، إن حصل، يفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ بطريقة تتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية وأمنية أوسع.

ولعلّ هذا الإدراك لم يكن محصوراً بطهران أو بحلفائها، بل انعكس أيضاً في مقاربات عربية تناولت سيناريو إسقاط النظام من زاوية النتائج. ففي هذا السياق، لا تُقرأ هذه المقاربات، وفق المصادر، بوصفها اصطفافاً سياسياً، بل باعتبارها تقديراً مباشراً لتداعيات قد تطال البنية الإقليمية بأكملها، إذ إن اختلال التوازن عند هذه النقطة تحديداً سينعكس على دول وازنة تدرك إسرائيل أن استمرارها خارج دائرة السيطرة الكاملة يشكّل عنصر إرباك استراتيجي دائم. وعليه، فإن جوهر النقاش لا يتمحور حول مصير سلطة بعينها، بل حول شكل النظام الإقليمي المقبل.

ضمن هذا المشهد، يحتلّ لبنان موقعاً شديد الحساسية، بوصفه ساحة مفتوحة على التأثر السريع بأي تغيير جذري في ميزان القوى. فالمسار القائم منذ أشهر أظهر أن التهدئة السياسية لم تُترجم إلى وقائع ميدانية، وأن الضغط الإسرائيلي استمر بأشكاله المختلفة من دون أي مؤشرات تراجع. وبالتالي، فإن أي تراجع في مستوى الردع الإقليمي سيضع الساحة اللبنانية أمام معادلة أكثر خطورة، حيث تضيق إمكانات الاحتواء وترتفع كلفة أي مواجهة محتملة، خصوصاً في الجنوب. ذلك لأن انهيار موقع إيران في معركة من هذا النوع لا يعني خسارة طرف بعينه، بل تفكيك الأساس الذي استند إليه توازن الردع في المنطقة لعقود. ومع غياب هذا الأساس، تدخل المنطقة مرحلة جديدة تتقدّم فيها إسرائيل بخطوات متسارعة من دون عوائق فعّالة، ويتحوّل الصراع من إدارة محسوبة إلى واقع مفتوح يصعب ضبط مساراته. من هنا، فإن أي حرب شاملة، إن فُرضت، ستتجاوز كونها مواجهة عسكرية، لتصبح لحظة فاصلة في تقرير اتجاه المنطقة.

في هذا السياق، ترى المصادر أن أي احتمال للتدخل يُفهَم بوصفه نتاج حسابات تتصل بالوجود السياسي والأمني. فالمعادلة المطروحة واضحة: إما وقف اندفاعة مشروع إقليمي يسعى إلى تكريس وقائع نهائية، أو التسليم بتحوّل واسع ستكون كلفته مرتفعة على مختلف الساحات. لذلك، فإن خطاب الحياد يبدو منفصلاً عن طبيعة الصراع القائم، إذ إن مسارات المواجهة باتت متداخلة، والملفات المتفجرة في أكثر من ساحة لم تعد تُدار بوصفها أزمات منفصلة، بل ضمن مسار واحد تتقاطع نتائجه وتتراكم تداعياته.

وبناءً على ذلك، فإن القياس على محطات سابقة يبدو ساذجاً في هذه المرحلة. ففي تجارب سابقة، كان هامش الاحتواء لا يزال قائماً، كما أن مسارات الحسم لم تكن قد نضجت سياسياً ولا دولياً، ما أبقى الساحات الأخرى في موقع الترقّب. أما اليوم، فإن تغيّر طبيعة الأهداف، وتبدّل أولويات اللاعبين الأساسيين، يدفع باتجاه مسار مختلف، حيث إن القرارات المطروحة لم تعد قابلة للتأجيل أو التجميد، بل تتصل بإعادة رسم توازنات سيكون لها أثر مباشر ومستدام على شكل المنطقة.

في المحصلة، يثبّت خطاب الشيخ نعيم قاسم موقع "حزب الله" داخل معادلة إقليمية غير محسومة، من دون إعلان قرار أو إقفال باب الخيارات، في لحظة يتقدّم فيها الصراع نحو اختبار مفتوح.
 
Advertisement
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj