كتبت غادة العريضي: في لحظة داخلية حسّاسة، وعلى وقع التصعيد الإسرائيلي وتداعياته، برز لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون كمحطة سياسية مفصلية لإعادة تثبيت التنسيق بين الرئاستين وتحصين الموقف الداخلي. وقد وُصف اللقاء بالمثمر والإيجابي، وعكس تقاطعًا واضحًا في الرؤية حول إدارة المرحلة المقبلة.
مصادر مطلعة أفادت "
لبنان24" أن الرئيس بري كان قد بادر إلى الاتصال بالرئيس عون عقب مقابلة تلفزيونية أثارت حفيظة
حزب الله ثم التقيا وكان تفاهم واضح بينهما على ضرورة استكمال العمل المشترك للحد من تداعيات العدوان الإسرائيلي. وشكّل اللقاء محطة لتقاطع المواقف حول خطوات تترجم حضور الدولة إلى جانب أبناء الجنوب، فيما بادر رئيس الجمهورية إلى الاتصال برئيس الحكومة نواف سلام، معلنًا إجراءات سريعة لمساعدة النازحين. وأكدت المصادر أن الرئيس بري يمتلك رؤية متكاملة لإدارة المرحلة الراهنة، تشمل تحديد حجم الخسائر واستكمال دور الجيش اللبناني، وقد ناقشها مع رئيس الجمهورية، مع تشديده الدائم على أن أي نقاش شامل يفترض قيام
إسرائيل بخطوات محددة تفتح الباب أمام معالجة مختلف الملفات، بما يحفظ مصلحة
لبنان ويؤمّن احتضان الدولة للجنوب وأهله، الذين لا بديل لهم عنها.
على وقع هذه المعطيات الداخلية، شهد الأسبوع الماضي سلسلة من الأحداث والتطورات واللقاءات الإقليمية والدولية، من دافوس إلى فرنسا وسوريا وعدد من العواصم، كان للملف اللبناني موقع أساسي فيها. وكنا قد أشرنا في الأسبوع الفائت إلى لقاء مرتقب بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي
دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس، يحمل في جدول أعماله ضرورة مساعدة لبنان والضغط على إسرائيل لتنفيذ خطوات من اتفاق وقف الأعمال العدائية، إضافة إلى إعطاء دفع للدور الذي يقوم به الجيش استعدادًا للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة.
وبالفعل، جاء اللقاء بعد أيام على موجة قصف إسرائيلية عنيفة وغير مسبوقة استهدفت عددًا من قرى الجنوب خارج المنطقة التي كان الجيش قد أنجز فيها المرحلة الأولى من مهمته. أصداء القذائف وصلت إلى مناطق بعيدة، واندلعت حرائق كثيفة، ما أدى إلى نزوح عدد من الأهالي، في توقيت بدا وكأن إسرائيل أرادت من خلاله توجيه رسالة مفادها بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطتها العسكرية، التي قد تمتد من تخوم المنطقة الأولى إلى بنك أهداف يشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، وربما العاصمة نفسها، إضافة إلى مناطق بعلبك–الهرمل والبقاع
الغربي.
وخلال اللقاء، وضع الرئيس المصري نظيره الأميركي في أجواء نتائج الاتصالات التي أجراها مساعدوه مع مسؤولين لبنانيين وقيادات في حزب الله، مؤكدًا أن لبنان ماضٍ في تنفيذ قرارات حصر السلاح، لكن ذلك يتطلب خطوات موازية تطمئن اللبنانيين وتشكل ضمانة لوقف التدهور الأمني والعدوان المفتوح. من جهته، انتقد الرئيس ترامب حزب الله واعتبره “مشكلة”، مضيفًا: «سنرى ماذا سنفعل، نريد مساعدة لبنان».
في السياق نفسه، انتقل رئيس الحكومة نواف سلام من دافوس إلى باريس، حيث التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤكدًا التزام الحكومة بتنفيذ قراراتها، ومشدّدًا على أنه لا مهل زمنية محددة لحصر السلاح، باعتبار أن الأمر مرتبط بخطة الجيش وقدراته. ودعا إلى التحضير الجدي لمؤتمر دعم الجيش المقرر عقده في آذار المقبل، بما يضمن أن يكون منتجًا ويترجم الوعود بدعم المؤسسات الأمنية. كما شدد على أن التنفيذ يتم عبر لجنة “الميكانيزم”، في ظل محاولات إسرائيلية لإضعاف دورها وإخراج فرنسا من دائرة المواكبة، خصوصًا مع بدء العد العكسي لانتهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب منذ عام 1978، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى مظلة دولية تضمن الأمن والاستقرار.
وأكدت المصادر أن الإعلان عن اجتماع لجنة “الميكانيزم” في 25 شباط المقبل يشكل تأكيدًا على استمرار دورها، وأن لبنان، من خلالها، منفتح على كل أشكال التعاون لتنفيذ قرار وقف الأعمال العدائية، ومناقشة مختلف الأفكار والمقترحات التي تقود إلى أمن واستقرار مستدامين في الجنوب. غير أن ذلك يبقى مشروطًا بتوحيد الموقف اللبناني، باعتباره الضمانة الأساسية لوقف العدوان الإسرائيلي وحماية البلاد وأهلها.
وفي هذا الإطار، تتعامل إسرائيل مع لبنان على أنه الساحة الوحيدة المتاحة لها للتحرك بحرية، في ظل إدراكها أن القرار في ملفات غزة وسوريا والحرب على
إيران محصور بالجانب الأميركي، وهو ما يدفع رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إلى السعي لتحقيق “إنجازات” يوظفها داخليًا، استعدادًا للانتخابات ومحاولة البقاء في رئاسة الحكومة واستكمال مشروعه السياسي.