سهرت
طرابلس منذ فجر السبت على وجعها. اربعة أيام من البحث المضني ، بأدوات بدائية وجهود يدوية، انتهت مساء امس الثلاثاء بخبر مفجع: العثور على جثمان أليسار، آخر المفقودين، بعدما لحقت بوالدها أحمد الذي قضى في الساعات الأولى لانهيار المبنى.
ولو تخيّل المرء تلك اللحظات الأخيرة، لربما كان أحمد وأليسار يتساءلان بصوت خافت: هل إهمال الوطن ساهم في موتنا؟ هل تهميش طرابلس هو ما جعلنا نُدفن تحت حجارة بيت قديم بلا ترميم ولا خطط إنقاذ؟ أسئلة موجعة بقيت بلا جواب، لكنها تختصر مأساة مدينة بأكملها تعيش بين الركام الخوف.
هكذا اكتملت مأساة عائلة المير، فيما بقيت الأم آمال وابناها عمر وهديل على قيد الحياة، يحملون جرح الفقد إلى الأبد.
هذه النهاية المأسوية ليست سوى وجه من وجوه أزمة عمرانية أوسع، حيث يعيش آلاف المواطنين في أبنية آيلة للسقوط، بين خوف دائم من انهيار مفاجئ وعجز عن الترميم في ظل الانهيار الاقتصادي. مأساة القبة أعادت إلى الواجهة سؤالاً ملحّاً: كم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن يتحول ملف الأبنية المتصدعة إلى أولوية وطنية؟
أرقام صادمة وتحرك رسمي لإنقاذ الأرواح
تشير أرقام الهيئة
اللبنانية للعقارات، الى أن عددًا كبيرًا من المباني، خرج عن معايير السلامة العامة، ولاسيما في المناطق المكتظة سكانيًا وإداريًا وتربويًا، حيث يُقدّر في طرابلس وحدها وجود حوالى 4,000 مبنى مهدد بالسقوط، بينها حوالى 1,000 بحاجة إلى إخلاء فوري.
وفي خلال هذا الشهر شهدت طرابلس سقوط 4 مبانٍ، ما يعكس خطورة الوضع من دون معالجة فعلية.
وفي أعقاب انهيار مبنى القبة، تحرّكت الدولة عبر اجتماع موسّع في السراي الحكومي رأسه رئيس الحكومة نواف سلام وحضره نواب طرابلس ورؤساء البلديات.
الاجتماع خلُص إلى تفعيل خلية أزمة بصفة قانونية كاملة، والانطلاق فورًا بإجراءات التدعيم والإيواء من دون أي سقف مالي. وأكد الاجتماع على ان الدعم الحالي يشكّل مرحلة أولى عاجلة، فيما يجري التحضير لمشروع أوسع لبناء ما بين 700 و1000 وحدة سكنية، مع إعطاء الأولوية لإيواء الأهالي المهددين بشكل فوري.
عقبات الإخلاء والإيواء
وأفادت مصادر معنية عبر "لبنان٢٤" بأنّه جرى توجيه إنذارات متكرّرة إلى سكان الأبنية المتصدّعة بضرورة الإخلاء المؤقّت ريثما تُستكمل أعمال التدعيم، وذلك من قبل شرطة بلدية طرابلس والأجهزة الأمنية.
غير أنّ تطبيق الإخلاء يواجه صعوبات جدّية، في ظلّ عدم توفّر الإمكانات المالية اللازمة لدى الأهالي لتدعيم المباني، ما يضاعف مخاوفهم من مغادرة منازلهم، ولا سيّما أنّ معظم القاطنين ينتمون إلى الطبقات الفقيرة ويعيش ونأوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة.
وبالنسبة إلى الإيواء، توضح المصادر انه يجري حاليًا اعتماد المعهد الفندقي في الميناء كمركز موقّت، وهو الموقع نفسه الذي استُخدم لإيواء
النازحين في خلال عام 2024.
وفي موازاة ذلك، تُبذل جهود لإيجاد أراضٍ مناسبة لوضع بيوت جاهزة موقّتة للإيواء، ريثما تُنجز أعمال تدعيم الأبنية المتصدّعة.
من دون بيانات دقيقة لا تمويل
ولمواجهة هذا الواقع الصادم، تركّز الجهات المعنية على جمع وتحليل البيانات لضمان تدخل فعّال.
وتكشف المصادر انَّ الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثّل في توحيد وتحديث قاعدة البيانات المتعلّقة بالمسوحات الفنية للأبنية المتصدّعة في طرابلس والكلفة التقديرية لأعمال التدعيم، إضافةً إلى جمع معلومات دقيقة حول الوضعٓين الاجتماعي والقانوني للقاطنين.
وأشارت المصادر إلى أنّ العمل انطلق بتحديث الداتا القديمة، بدءًا من 103 أبنية مصنّفة شديدة الخطورة، على أن يجري ترتيبها وفق درجة الخطورة والأولوية، بالتوازي مع تأمين مراكز إيواء موقتة لنقل السكان ريثما تُستكمل اعمال التدعيم.
ولفتت المصادر إلى أنّ الإجراءات العملية بدأت منذ حوالى أربعة أشهر، ومن المتوقّع توحيد الداتا الأولية في خلال الأسبوع المقبل، مع التأكيد أنّ الكشوفات الفنية الحالية تحتاج إلى إعادة مسح ميداني.
كما كشفت المصادر الى أنّ اجتماعات دورية عُقدت في المحافظة في خلال الأشهر الماضية، بمشاركة الامين العام للهيئة العليا للإغاثة، ورئيس بلدية طرابلس،ونقيب المهندسين، والصليب الأحمر، لوضع آلية شاملة لتحديث المعلومات،مشدّدة على أنّه من دون داتا دقيقة لا يمكن طلب أي تمويل.
وشددت المصادر على أنّ المطلوب هو تخصيص اعتماد مالي في موازنة الهيئة العليا للإغاثة لمعالجة حوالى 100 مبنى آيل للسقوط، على أن يتم التنفيذ من قبل بلدية طرابلس بالتعاون مع نقابة المهندسين.
ابعد من طرابلس...
قد تبدو طرابلس اليوم في واجهة المشهد كنموذج صارخ لأزمة الأبنية المتصدّعة، إلّا أنّها ليست وحدها، بل هي صورة مُصغّرة عن واقع يمتدّ على مساحة الوطن بأكمله.
وتشير المعطيات إلى أنّ مناطق الجنوب والنبطية والبقاع والهرمل تضمّ أكثرمن 42 ألف مبنى متضرّر، فيما يُقدَّر عدد الأبنية المتضرّرة في
بيروت بحوالى 85 ألف مبنى.
وعلى الرغم من خطورة هذه الأرقام، لا تزال الإحصاءات النهائية غير متوافرة، مع غياب مسح وطني شامل يحدّد بدقّة حجم الأضرار ومستويات الخطورة.
ويُسجَّل أنّ المسح الجدي الوحيد الذي أُنجز كان عقب تفجير مرفأ بيروت، بالتعاون بين الجيش ونقابتي المهندسين في بيروت والشمال، وكان جزئيًا من دون أن يشمل العاصمة بكاملها.
أمام هذا الواقع، تتحوّل الأرقام الصادمة إلى مسؤولية وطنية وأخلاقية ملحّة لا تحتمل التأجيل، تفرض إطلاق مسح هندسي شامل على مستوى البلاد، واتخاذ قرارات فورية بالإخلاء عند ثبوت الخطر، إلى جانب وضع خطة طوارئ لترميم أو هدم الأبنية الآيلة للسقوط، وتأمين التمويل والدعم التقني،ولا سيّما للمناطق الأكثر فقرًا.
فالتقاعس عن المعالجة لا يعني سوى انتظار كوارث محقّقة، فيما تبقى الأرواح رهينة مبانٍ متصدّعة تترقّب لحظة الانهيار.