لم يكن ما جرى في محيط مجلس النواب خلال اليوم الأخير من مناقشة الموازنة مجرّد تحرّك مطلبي عابر، بل شكّل مشهدًا اجتماعيًّا بالغ الدلالة، بعد نحو عام على تأليف الحكومة، كاد أن يطيح بها من بوابة موازنتها. فالاحتجاجات التي قادها موظّفو القطاع العام والعسكريون المتقاعدون، والتي بلغت حدّ اقتحام العسكريين الحاجز الأمني وصولًا إلى باب مجلس النواب، عكست حجم الإحباط المتراكم بفعل عجز الحكومة عن ترجمة وعودها إلى خطوات ملموسة.
وعلى الرغم من التعهّدات بمعالجة الملف المعيشي، تبيّن أنّ مسألة تصحيح الرواتب والمعاشات التقاعدية لم تُدرج ضمن جدول المعالجة الفورية، بل عملت الحكومة على ترحيلها إلى ما بعد إقرار الموازنة العامة. ومع انطلاق مناقشات الموازنة، انفجر الشارع في وجه الحكومة والمجلس معًا، في رسالة واضحة،مفادها أنّ سياسة التأجيل لم تعد مقبولة.
لماذا وصلت الأمور إلى حافة الانفجار الشعبي؟
خلال الأشهر الأسابيع الماضية، نفّذ تجمّع روابط القطاع العام، إضرابات واعتصامات شملت مختلف الإدارات، لكنّ الحكومة لم تُقابلها بأيّ إجراءات جديّة، رغم اللقاءات التي عُقدت مع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر، ورغم تقديم دراسات واقتراحات عمليّة لزيادة الرواتب والمعاشات التقاعديّة، إلا أنّ هذه الطروحات بقيت، وفق التجمّع، في خانة الإهمال، من دون دراسة أو حسم. ورأى التجمّع أنّ ما صدر عن
مجلس الوزراء كشف بوضوح نهج المماطلة المعتمد، ما أدّى إلى خيبة أمل واسعة في صفوف العاملين في القطاع العام.
الكهرباء..الفشل الأكبر
على مستوى الملفات الخدماتيّة، يبرز ملف الكهرباء بوصفه أحد أكثر الإخفاقات فداحة، رغم ما شكّله خروج وزارة الطاقة للمرة الأولى منذ عام 2009 من قبضة النائب جبران باسيل ومستشاريه من فرصة حقيقية لاعتماد نهج مغاير، سواء عبر تنويع مصادر الإنتاج كالطاقة الشمسية والغاز، أو عبر خفض الهدر التقني وغير التقني الذي تجاوز الخمسين في المئة.
إلا أنّ هذه الفرصة أُهدرت، إذ جرى تجاهل الحلول التي عطّلها وزراء
التيار الوطني الحر سابقًا، كعروض "سيمنز" أو الصندوق الكويتي، ليُعاد تكريس المعادلة نفسها القائمة على ربط الإنتاج بتأمين الفيول، من دون أيّ خطّة قابلة للتنفيذ، وكأنّ القطاع لا يزال "على حطّة إيد جبران وأعوانه". في وقت تتراكم فيه أموال الفيول العراقي، فيما لا تملك الوزارة رؤية واضحة لكيفية تسديد المستحقّات، أو إدارة هذا الملف على المدى القريب والمتوسط.
أما وزير الطاقة جو صدّي، الذي عجز عن تحسين التغذية ولو ساعة واحدة، فلم يجد في مؤتمره الصحافي الأخير ما يقدّمه للبنانيين سوى الترويج لما سمّاه "إنجازًا تاريخيًّا" يتمثّل بعدم اللجوء إلى سلفات الخزينة لتغطية كلفة الفيول، متناسيًا أنّ هذا الإجراء يعود إلى قرار سبق تشكيل الحكومة الحاليّة، اتخذه حاكم مصرف
لبنان بالإنابة وسيم منصوري في تموز 2024، وقضى بوقف تمويل الدولة بالعملتين المحليّة والأجنبيّة، وعدم منح أيّ سلفات للخزينة أو لمؤسسة كهرباء لبنان، وعليه، لا يمكن للحكومة أن تنسب هذا القرار إلى إنجازاتها.
الإصلاحات الماليّة: التزام بالمهل ولكن
بعيدًا من الملف المعيشي، يسود انطباع عام بفشل الحكومة في تحويل وعودها الإصلاحية إلى مسار تنفيذي واضح. فالإصلاحات الاقتصاديّة الأساسيّة لا تزال متعثّرة، ما يفاقم حالة انعدام الثقة، ويبدّد الآمال بإحداث تغيير فعلي في بنية الاقتصاد والإدارة.
وفيما تدرج الحكومة في قائمة إنجازاتها، إرسال مشروع الموازنة إلى المجلس النيابي ضمن المهلة الدستوريّة وبصفر عجز،كدليل على انتظام العمل المالي، إلا أنّ النقاشات النيابية كشفت ضعف الرؤية الكامنة خلف الأرقام، إذ وُصفت الموازنة، حتى من قبل نواب ينتمون إلى كتل مشاركة في الحكومة، بأنّها تفتقر إلى أيّ مقاربة إصلاحيّة.
كذلك رأى البنك الدولي، في تقريره الأخير أنّ مشروع الموازنة فشل في تقديم رؤية اقتصادية متماسكة "فبينما يبدو متوازن، يستثني ذلك خدمة الدين وتصحيح الأجور والإنفاق الاستثماري الفعلي. أمّا هيكل الإيرادات فيبقى رجعياً، إذ إنّ أكثر من 52% منها تأتي من ضرائب غير مباشرة تُثقل كاهل الفئات ذات الدخل المنخفض، في غياب شبه كامل للضرائب التصاعدية".
أمّا مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، على رغم أهمّيته كونه يجسّد أول إطار قانوني يصدر عن السلطة التنفيذيّة بعد ست سنوات على اندلاع الأزمة، إلّا أنّه لاقى انتقادات واسعة وتشكيكًا بقدرته على تحقيق العدالة بين المودعين.
خطيئة الحكومة في التعيينات
على رغم إنجاز الحكومة للكثير من التعيينات بعد أعوام على الشغور، بقي معظمها أسير منطق المحاصصة والتوازنات السياسيّة والطائفيّة، ما أفقدها القدرة على إحداث تغيير فعلي في بنية الإدارة العامة. وقد فاقم هذا المسار،تعيينُ السيدة غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك، على الرغم من ملاحقتها قضائيًّا على خلفية انفجار مرفأ
بيروت. وبدل أن تتراجع الحكومة عن هذا التعيين، ذهبت إلى تبريره بذريعة عدم صدور حكم قضائي بحقّها، في سابقة خطيرة تُطيح بمعايير المحاسبة، وتُفرغ مفهوم النزاهة من مضمونه.
غياب الاستثمار
في الشق الاستثماري، ورغم الأجواء التفاؤلية التي رافقت مؤتمر بيروت، لم يترجم أي من الوعود إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع. كذلك، لم يسجَّل أي تقدّم يُذكر في ملف الاستثمارات الخارجية أو في قطاع النفط، ما يعكس ضعفًا في الرؤية الاقتصادية.
استعادة قرار الحرب والسلم
يُسجَّل للحكومة إسقاطها معادلة "المقاومة" من بيانها الوزاري، واتخاذها قرارًا مفصليًّا بحصرية السلاح خلال جلستي الخامس والسابع من آب الماضي، أعقبه استكمال الجيش مهمّة نزع السلاح جنوب الليطاني، رغم محاولات "
حزب الله" المتكرّرة تعطيل القرار الحكومي. غير أنّ أهمية استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم لم تُترجم فعليًا على الأرض، إذ عجزت الحكومة عن وضع حدٍّ للاعتداءات
الإسرائيلية المتواصلة، أو عن حماية الجنوبيين ومنع إجهاض محاولاتهم لإعادة إعمار ما دمّرته الاعتداءات.
في المحصّلة، يبقى الحكم النهائي على أداء الحكومة رهن قدرتها على معالجة الأزمات المعيشية، والانتقال من مرحلة إقرار القوانين إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ولا سيما في ما يتصل بالإصلاحات الجوهرية كاستقلالية
القضاء، وإصلاح القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة الإدارة.