لست أفهم هذا الإنسان اللبناني الذي يُبدع ويتفوّق ويبرز في سائر أصقاع الدنيا، على اختلاف نُظُمها وثقافاتها واقتصادياتها وقوانينها وأعرافها ومناخها، ومع ذلك نجده، داخل لبنان، يصطفّ ضمن أطُر مذهبية ومناطقية ضيّقة، وتذوب شخصيته وإرادته وقراره، ويضمحل دوره، وصولاً إلى أنْ يعمل خلاف مصالحه الشخصية، وضدَّ مُستقبل أولاده وأحفاده.
ومع أنّ الأيام تتوالى في لبنان حُبلى بالمفاجآت، وجلّها ليس في مصلحة وطننا، فإنّ العجب العُجاب أنّ البعض منّا يتعلق "بحبال الهوا"، والأعجب من ذلك هو الإسترخاء ووهم الإطمئنان الزائف بأنّ كل شيء سيكون في النهاية على ما يُرام، كأنّ لبنان أزليٌّ سرمديٌّ خالدٌ خلافاً لحضارات الفراعنة والإغريق واليونان والأنكا وما بين النهرين وبلاد الشام وغيرها!
والأفظع هو ضياع الفطنة والحذر بسبب هيمنة المصالح الفئوية والاستغراق في عبادة الزعماء وتأليههم.
إنّ الكتابة في لبنان تُشبه الإمساك بالجمر المُتلظى، فكيفما تضع يدك تُصاب حتماً بالحروق البالغة ... وليس مرغوباً إطلاقاً أن يكون رأيك مُعتدلاً ووفاقياً، لأنّ اللون الوسطي مكروه، ووحدها ألوان الإصطفاف هي المقبولة .. وبمعنى آخر أنْ تكون معنا أو أن تكون معهم .. نقطة على السطر!
نُضيع الفرصة تلو الأخرى في إنقاذ البلد وتحويله إلى وطن حقيقي مؤسّساتي نفتديه حقاً بالمُهج، لأنّه ملاذنا ومصدر فخرنا واعتزازنا، ولأنّه مربط لقمة عيشنا بكرامة، ومآل ومستقبل أبنائنا وأحفادنا.
متى نفيق من غيبوبتنا، ومتى نُراعي الله في أنفسنا وفي أهلنا؟
"قُل أعوذ بربّ الناس" من هكذا "سيّاس"!
(عبد الفتاح خطاب - اللواء)