يصرّ رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيسا المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي في موعده في أيار المقبل، بصرف النظر عما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والمرحلة الثانية من "حصرية السلاح".
وفيما حسم رئيس مجلس النواب أنه لن يدعو إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخابات، رغم الحاجة إلى تعليق مواد من غير الممكن تطبيقها في الوقت المُتبقي، ما يعني تعريض الاستحقاق برمّته للطعن، بحسب مصدر حقوقي معني.
ويؤكد مصدر وزاري أن لا عودة عن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وأن وزارة الداخلية والبلديات أتمت الاستعدادات اللوجيستية والإدارية لإجراءها في مايو المقبل على أساس قانون الانتخاب النافذ حالياً. ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الخيار الوحيد لإخراج قانون الانتخابات من السجال الدائر بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وخصومه يكمن باعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، في مقابل تعليق العمل باستحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب اللبناني بـ6 مقاعد نيابية، وبعدم السماح للبنانيين في بلاد الانتشار بالاقتراع لـ128 نائباً من مقر إقامتهم، من دون استبعاد تأجيلها تقنياً إلى منتصف الصيف المقبل، إفساحاً للمجال أمام مجيئهم إلى لبنان لممارسة حقهم بانتخاب ممثليهم.
يلفت المصدر الوزاري إلى أن الكرة الآن في ملعب المجلس النيابي، وأن عدم انعقاده في جلسة تشريعية للنظر في مشروع القانون الذي أحالته إليه الحكومة بصفة المعجل المكرر، يعني حكماً بأن الانتخابات ستجري على أساس اعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، لكن المصدر لم يجزم ما إذا كانت الظروف الدولية المحيطة بلبنان ستسمح بإنجاز الانتخابات في موعدها ما لم يتقدّم عليها إلزام «حزب الله» بـ«حصرية السلاح» الذي لا يزال يتصدر اهتمام المجتمَعَيْن الدولي والعربي.
وسُئِل المصدر عن رأيه حيال تريث أكثر من فريق في التحضير لخوض الانتخابات إلى حين التأكد من أنها ستجري في موعدها بغياب الحد الأدنى من التفاهم حول قانون الانتخاب، فأجاب أن معظم القوى السياسية تضع علامة استفهام حول إمكانية الالتزام بموعد مايو المقبل، رغم إصرار الرؤساء على إتمامها احتراماً للمواعيد الدستورية، والتزاماً بإعادة الانتظام لمؤسسات الدولة، معترفاً في الوقت نفسه بأن مصيرها يتأرجح مناصفة بين إتمامها أو تأجيلها.
لا يجد المصدر ما يقوله حيال الموفدين الأجانب والعرب إلى لبنان الذين يُدرجون حصرية السلاح بنداً أساسياً على جدول أعمال لقاءاتهم الرسمية، ويتجنّبون التركيز على إجراء الانتخابات في موعدها، بخلاف لقاءاتهم السابقة، وهذا ما تبين من خلال الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي لم يأت على ذكر الانتخابات أصلاً.
فالوزير الفرنسي، حسب المصدر، ركّز على حصرية السلاح، واستكمال إقرار الإصلاحات المالية والاقتصادية، وطالب إسرائيل بوجوب التقيّد بوقف الأعمال العدائية، إضافة إلى بحثه مع أركان الدولة طبيعة المرحلة التي تلي انتهاء فترة انتداب قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في جنوب لبنان نهاية العام الحالي.
ويؤكد أن «الثنائي الشيعي» يصر على إجراء الانتخابات في موعدها لتجديد شرعيته الشعبية، رداً على قول خصومه إنها تشهد تراجعاً ملحوظاً بسبب إصرار «حزب الله» على تمسكه بسلاحه بخلاف الإجماع اللبناني وتعهده به عندما قرر المشاركة في الحكومة التي أدرجت السلاح غير الشرعي بنداً أساسياً تصدّر بيانها الوزاري.
وفي المقابل يرى مصدر سياسي، يقف في منتصف الطريق بين بري وخصومه، أن مصير الانتخابات يتوقف على التزام «حزب الله» بتسليم سلاحه وامتناعه عن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران، في حال أن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، التي ما زالت في بداياتها، اصطدمت بحائط مسدود، وبادرت الأخيرة بالرد عسكرياً مستهدفةً منشآتها النووية ومراكز الحرس الثوري، أسوة بما حصل في حربها التي شنتها إلى جانب إسرائيل ضد النظام الإيراني في حزيران الماضي.
وكتبت" الاخبار": لا تعني دعوة وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار الهيئات الناخبة في لبنان والخارج لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقبل، وإصداره تعميماً بفتح باب الترشيح من 10 شباط الجاري إلى 10 آذار المقبل، أن الأمور على السكة الصحيحة، إذ تشوب العملية الانتخابية مخالفات قانونية بالجملة.
فما لم يدعُ رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخاب وتعليق بعض مواده كما حصل سابقاً، ستكون الانتخابات في حال حصولها موضع طعون عدة أمام القضاء. وحتى الساعة، يبدو أن بري ليس في وارد فتح المجلس أمام «الذين باتوا يعارضون القانون وكانوا وراءه قبلاً»، أي حزب «القوات اللبنانية» بشكل أساسي.
والسبب رفض معراب وحلفائها عرض بري «إلغاء المقاعد الستّة في الخارج مقابل اقتراع الاغتراب في الداخل بالتزامن مع تمديد تقني محدود لتسهيل عملية اقتراع المغتربين في الداخل»، على حدّ قول بري في تصريحات صحافية. وبعد إشارته إلى تراجعه عن العرض، أعلن بري أن الانتخابات ستجري في موعدها بالقانون النافذ، مع التشديد على أنه لن يدعو إلى أي جلسة لتعديله.
عملياً، وفي حال لم تُنجز تسوية سياسية قبل أيار المقبل، يتمّ بموجبها تعديل القانون، فإن إجراء الانتخابات سيصبح مستحيلاً بالوضع الراهن. والسبب عدم إمكانية تطبيق القانون لناحية اقتراع المغتربين والبطاقة الممغنطة، ولا سيما مع ضيق المهل وانتظار السلطة حتى اللحظات الأخيرة لمعالجة الخلل، لرغبة كل طرف بالضغط على الطرف الآخر. كما أن تعديل القانون غير متاح نتيجة انقسام مجلس النواب على نفسه، حول آلية إجراء الانتخابات.
عملياً، تحتاج السلطة السياسيية إلى «شرعية قانونية» لإجراء الانتخابات. وهذا يتطلب إنتاج توافق سياسي كي تبيح الحكومة لنفسها تجاوز القانون والقفز فوق مواده من دون اللجوء إلى تعديل القانون. وسيكون الاتكال هنا على «الإرادة الشعبية» بإجراء الانتخابات، لإضفاء شرعية كاملة على نتائج الاستحقاق.
في المحصلة، فإن عدم دعوة بري إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخاب، من شأنه أن يحقق هدفه بالضغط على المعارضين والحكومة لجرّهما إلى اتفاق سياسي حول العملية الانتخابية المقبلة. وكذلك يضع الحكومة أمام مهمة صعبة في حال قررت الالتزام بالمواعيد الدستورية لإجراء الانتخابات في أيار المقبل. فإما تصدر مراسيم تطبيقية للمادة 122 في قانون الانتخاب المتعلقة باستحداث ستة مقاعد للمغتربين في الخارج، وهو ما بات متعذّراً لأنه يستدعي حكماً تأجيل موعد الانتخابات لفتح الباب أمام الراغبين بالترشح لتحضير مستنداتهم والقيام بحملات انتخابية.
وإما ترتكب مخالفة قانونية تعرّض نتائج الانتخابات كلّها للإبطال بسبب تجاوز الحكومة حدّ السلطة: فاتخاذ قرار بعدم اعتماد البطاقة الممغنطة وإبطال مادة المقاعد الستة بموجب تعاميم يسمح لمجلس النواب بمحاسبة الحكومة وسحب الثقة منها، ويسمح لكل خاسر أو متضرر من الانتخابات لاحقاً بالطعن في النتائج وبالاستحقاق أمام المجلس الدستوري.