لم يكن انهيار المبنى الثاني في مدينة طرابلس مجرّد حادث عرضي، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الكوارث المؤجلة، التي تحوّلت فيها الأبنية الآيلة للسقوط إلى قنابل موقوتة تهدد حياة اللبنانيين يومياً. فالمأساة التي أعادت المدينة إلى واجهة الأخبار، جاءت نتيجة تراكم الإهمال الإداري والمؤسساتي والبلدي، وسط غياب أي مقاربة جدية للسلامة العامة.
وبينما تواصل فرق الدفاع المدني والإنقاذ أعمالها وسط الأنقاض، تتكشّف مرة جديدة صورة قاتمة لواقع عمراني متدهور، يُنذر بكوارث أكبر في حال استمرار سياسة غضّ الطرف وتأجيل الحلول.
منظومة إهمال متراكمة ومسؤوليات متداخلة
تكشف هذه الكارثة أن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تمتد إلى منظومة كاملة تبدأ من البلديات، التي أخفقت في تفعيل الكشف الدوري على الأبنية، رغم قدرتها على إجراء مسوحات هندسية وتصنيف المباني وفق درجات الخطورة، وتحديد ما يحتاج إلى تدعيم أو ترميم أو إخلاء فوري، بحسب ما افادت رئيسة الهيئة
اللبنانية للعقارات المحامية انديرا الزهيري عبر "
لبنان 24"، مشيرة الى ان الإدارات الرسمية تتحمّل بدورها جزءاً أساسياً من المسؤولية، إذ إن تقارير عدة أُعدّت خلال السنوات الماضية حول مبانٍ مهددة بالانهيار، من دون أن تُترجم إلى إجراءات حاسمة. ويزداد المشهد تعقيداً مع وجود عدد كبير من الأبنية القديمة المصنّفة ضمن الجرد العام للأبنية التراثية، التي تُركت لمصيرها في ظل غياب الصيانة والرقابة.
مخالفات عمرانية وأحياء تُركت للفقر
واعتبرت الزهيري انه إلى جانب الإهمال، لعبت المخالفات العمرانية دوراً محورياً في تفاقم الأزمة، سواء عبر إضافة طوابق بشكل غير قانوني أو إجراء تعديلات إنشائية من دون إشراف هندسي. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على عدد من أحياء وأسواق طرابلس القديمة، التي تحوّلت مع الوقت إلى مناطق تعاني الفقر والحرمان، وسط بنى تحتية متآكلة وأبنية متداعية لا تراعي أبسط معايير السلامة.
قوانين معطّلة ومحاسبة غائبة
في المقابل، يشير خبراء في الشأن الهندسي والقانوني إلى أن تعطيل تطبيق القوانين، ولا سيما قوانين الإيجارات المرتبطة بالمباني القديمة، بذريعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ساهم في تفجير الأزمة بصمت. كما أن غياب المحاسبة القضائية الفعلية حوّل ملف سلامة الأبنية إلى مادة سجال إعلامي وسياسي، بدل أن يكون أولوية وطنية تُدار بعقلية إنقاذية.
وفي هذا الاطار، تشير الزهيري الى انه خلال السنوات الماضية، أطلق مهندسون واختصاصيون تحذيرات متكررة من خطورة الأبنية المتداعية، واصفين إياها بـ“القنابل الموقوتة”. وتُظهر الدراسات أن أعمار معظم هذه الأبنية تتجاوز الثمانين عاماً، في حين أن العمر الافتراضي للخرسانة لا يتعدى خمسين عاماً، خصوصاً في ظل غياب الصيانة وتأثير الحروب والزلازل والعوامل المناخية.
أرقام مقلقة وواقع غير موثّق
ورغم خطورة الملف، لا تتوافر حتى اليوم إحصاءات رسمية ونهائية حول عدد الأبنية المهددة بالسقوط في
لبنان، ما يعكس حجم الخلل في إدارة هذا القطاع. إلا أن المؤشرات المتاحة تؤكد وجود مئات المباني الخطرة في طرابلس وبيروت وصيدا وصور.
وتُعد تجربة المسح الذي أجراه الجيش بالتعاون مع نقابتي المهندسين بعد انفجار مرفأ
بيروت نموذجاً يُحتذى، إذ جرى تصنيف نحو 85 ألف وحدة متضررة، شملت مباني سكنية وتراثية ومؤسسات تجارية وتربوية واستشفائية.
أما في طرابلس، فتشير التقديرات إلى وجود نحو أربعة آلاف مبنى مهدد بالانهيار، بينها ما يقارب ألف مبنى في مرحلة خطر متقدم، وأكثر من مئة مبنى يستوجب الإخلاء الفوري، إضافة إلى مئات الأبنية التراثية التي باتت تشكّل خطراً داهماً، علماً أن العديد منها لا يزال مأهولاً بالسكان.
أمام هذا الواقع، تؤكد الزهيري أن المعالجة لا تحتمل المزيد من التأجيل، وتبدأ بإجراءات فورية أبرزها تنفيذ عمليات إخلاء منظّمة للأبنية الخطرة، وتأمين بدائل سكنية لائقة، كاعتماد البيوت الجاهزة كحل عملي واقتصادي مرحلي.
كما دعت إلى تشكيل لجان هندسية مستقلة للكشف السريع، وتفعيل القوانين القائمة بدل تعطيلها، وتحديث معايير السلامة العامة، إضافة إلى إنشاء صندوق وطني طارئ لترميم الأبنية الآيلة للسقوط، بإشراف شفاف ومستقل.
تؤكد كارثة طرابلس، بما حملته من مشاهد إنسانية قاسية، أن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الوقاية المسبقة، عبر تعزيز التوعية داخل المدارس والمجتمع، وتحديث التشريعات المرتبطة بالسلامة العامة، وتشجيع مالكي الأبنية القديمة والتراثية على صيانتها من خلال حوافز ودعم فعلي.
وفي ظل استمرار المخاطر، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحاً أن أي تأخير إضافي في معالجة هذا الملف قد يعني سقوط ضحايا جدد، فيما تبقى سلامة المواطنين مسؤولية وطنية مشتركة لا يجوز التهاون بها، قبل أن تتحوّل كل مدينة إلى أنقاض جديدة.