تضيق المهلة أمام الحكومة لترجمة الوعود التي قطعتها في الجلسة العامة، تحت ضغط الشارع، بتحسين رواتب القطاع العام قبل نهاية شهر شباط الحالي. وفي جلستها الأخيرة مساء الجمعة، أعلنت عزمها عقد جلسة في موعد أقصاه 15 شباط، للبحث في أوضاع القطاع العام، في وقت يترقّب فيه العسكريون المتقاعدون، وأساتذة التعليم الرسمي وموظفو الإدارات العامة مسار الأمور بحذر شديد، واضعين في حساباتهم كلّ السيناريوهات الممكنة، بما فيها العودة إلى الشارع عبر تظاهرات واعتصامات، في استعادة لمشهديّة اقتحام مداخل مجلس النواب، ليلة إقرار مشروع الموازنة العامة.
بالتوازي مع تصاعد الضغط الشعبي، ومع محدودية قدرة الحكومة على كسب المزيد من الوقت في ظلّ مهلة لا تتعدّى الثلاثة أسابيع، تواجه السلطة التنفيذيّة ضغطًا لا يقل حدّة عن شروط
صندوق النقد الدولي، الذي بدأ اجتماعاته في
بيروت ويشدد على عدم تحميل الخزينة أعباء مالية تفوق إمكانياتها، ويدعو إلى إصلاح القطاع العام وتعزيز إنتاجيته، قبل ضخ أيّ أموال إضافيّة.
في هذا السياق، كان وزير المال ياسين جابر واضحًا في موقفه، لجهة عدم الالتزام بأيّ تعهد قبل درس كلفته الماليّة بدقّة، في ضوء تجارب الماضي القريب، حيث أدّى الضخ العشوائي للأموال إلى تعميق الانهيار ودفع البلاد نحو الهلاك. فكيف ستتمكّن الحكومة من مقاربة استحقاق شباط، وسط هذا التشابك بين الشارع، والالتزامات الماليّة، وشروط الجهات الدوليّة؟
العسكريون: 50% أو العودة إلى الشارع
العميد المتقاعد شامل روكز نصح الحكومة عبر "
لبنان 24" بعدم التملّص من التزاماتها تجاه العسكريين المتقاعدين، معتبرًا أنّ المطالب المطروحة تشكّل حقوقًا مكتسبة وليست منّة من أحد، والحكومة ملزمة بتنفيذها. وأوضح روكز أنّ ما يُطالب به العسكريون المتقاعدون هو 50% من قيمة الراتب كما كان عليه عام 2019، على أن يتمّ تطبيق هذه الزيادة بالتدرّج بنسبة 10% كلّ ستة أشهر، وذلك تفاديًا لأيّ ضغط مفاجئ على ماليّة الدولة"نحن نراعي وضع الدولة، ولا نطلب حلولًا تؤدي إلى اهتزاز الاستقرار النقدي، لكن هذا لا يعني التخلّي عن حقوقنا".
ورداً على عدم قدرة
الدولة على تأمين كلفة الـ50%، اعتبر روكز أنّ الموارد موجودة، داعيًا الحكومة إلى التوجّه نحو الأموال المنهوبة، مشيرًا إلى وجود عدّة خيارات كفيلة بتغطية مستحقّات القطاع العام والعسكريين " بينها الضرائب التصاعدية على أصحاب الثروات، مكافحة التهرّب الضريبي، تحصيل عائدات الأملاك البحرية والمقالع والكسارات، والضرائب على الأموال التي هُدرت في صيرفة والدعم والتهريب". وعن القول بعدم إمكانية تحصيل الإيرادات من هذه الخيارات في المدى القريب، تساءل روكز "إذا لم يكن اليوم هو الوقت المناسب لتحصيل الضرائب من أصحاب الثروات، فمتى؟ ومتى ستُحصَّل عائدات الأملاك البحرية التي يستفيد منها أصحاب النفوذ؟ الضغط يُمارَس دائمًا على العسكر، وعلى الشعب الفقير والموظف، فهل هذه بطولات؟ فليذهبوا إلى تحصيل الإيرادات من حيث يجب".
وذكّر بمهلة نهاية شهر شباط الحالي "ولن نقبل بأقل من 50%".
واعتبر روكز أنّ ما يُطرح حاليًا من دفع أربعة رواتب إضافيّة، أي ما يوازي 30 إلى 40 دولارًا، هو طرح "غير مقبول ولن يُحدث أيّ فرق يُذكر، خصوصًا أنّ بين العسكريين عوائل
شهداء وشهداء أحياء، إضافة إلى متقاعدين لا تسمح أعمارهم بالعمل لتأمين دخل إضافي".
أربعة رواتب إضافية
من جهته، أوضح
عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس أبو
دياب، أنّ توجّه الحكومة حاليًا يقوم على إعطاء أربعة رواتب إضافية للقطاع العام ككل، بكلفة تُقدَّر بنحو 360 مليون دولار سنويًا، مشيرًا إلى أنّه لم يتّضح بعد ما إذا كانت الحكومة ستخصّ العسكريين بأكثر من ذلك، كون هذه الزيادة بالنسبة للمتقاعدين لا تتجاوز 40 دولارًا شهريًا.وأشار أبو دياب في حديث لـ "
لبنان 24"، إلى وجود طروحات بديلة بالنسبة للعسكريين، من بينها إعطاء 35% من أساس راتب 2019، وصولًا إلى 50% مع نهاية آذار المقبل، لافتًا إلى أنّ العسكريين المتقاعدين يتقاضون حاليًا ما مجموعه 23% فقط من الراتب، وهناك مساعدات مدرسيّة وُعد بها العسكريون، بقيمة 70 مليون دولار على مدى عامين، ليصل مجموع الزيادات المقترحة إلى نحو 450 مليون دولار.
لا تعديل في صلب الراتب
الإيرادات اللازمة لتغطية هذه الكلفة مؤمّنة من فائض موازنة 2025 المقدّر بنحو مليار دولار، وفق أبو دياب لافتًا إلى أهمية ما قد تؤمّنه موازنة 2026 من إيرادات "خصوصًا في حال تحقّقت التقديرات المتعلّقة بعائدات الرسوم الجمركيّة، ما قد يوفّر استدامة للإيرادات".
وختم أبو دياب بالتأكيد أنّ الأساتذة إضافة إلى العسكريين يطالبون بزيادات لا تقل عن 50%، ما يعني أنّ الأمور لم تُحسم بعد. كما لفت إلى أنّ المشروع الذي أعدّه مجلس الخدمة المدنية خارج
النقاش، إذ إنّ الطرح الحكومي يتركّز على تقديمات اجتماعيّة فقط، ولا يشمل تعديل أساس الراتب، في ظل استبعاد أي إصلاح جذري للأجور قبل انتهاء المشاورات مع صندوق
النقد الدولي وإعادة النظر الشاملة بالوظيفة العامة، بما فيها الراتب التقاعدي.
وفي ظلّ هذا المشهد المأزوم، يبقى مصير رواتب القطاع العام معلّقًا بين ما يطالب به موظفو القطاع العام والعسكريون المتقاعدون، وما تعتبره السلطة ممكنًا في هذه المرحلة. ومع تضاؤل هامش المناورة، تبدو الحكومة أمام اختبار حاسم، إمّا اتخاذ قرار واضح يعيد بعضًا من العدالة المفقودة إلى رواتب القطاع العام، أو مواجهة عودة الشارع بزخم أكبر، في وقت لم يعد فيه الانفجار الاجتماعي خيارًا مستبعدًا.