في خطوة تعكس تصعيدًا نوعيًا في أدوات الضغط المالي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) عن حزمة عقوبات جديدة استهدفت شبكات يُشتبه في استخدامها من قبل حزب الله لتأمين موارده المالية، عبر القطاع غير الرسمي في لبنان وبالتنسيق مع إيران، وامتدادًا إلى قنوات إقليمية ودولية شملت تركيا وروسيا.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع تسعى فيه واشنطن إلى تضييق الخناق على مصادر تمويل الحزب، ليس فقط عبر استهداف قنواته الخارجية، بل من خلال ضرب البنى الاقتصادية المحلية التي تشكّل ركيزة لاستمراره الاجتماعي والمالي.
ولا تقتصر أهمية هذه العقوبات على بعدها التقني أو القانوني، بل تتجاوزها إلى كونها رسالة سياسية مباشرة مفادها أن المواجهة مع الحزب ليست محصورة بالميدان العسكري أو الأمني، بل تُدار أيضا وبشكل متزايد عبر الأدوات المالية والاقتصادية، وعبر ملاحقة شبكات عابرة للحدود تستفيد من تباينات الأنظمة الرقابية بين الدول. فاستهداف شركات مرتبطة بتجارة الذهب ومؤسسات ذات طابع اجتماعي–مالي، مثل «القرض الحسن»، يعكس تحوّلًا في المقاربة الأميركية نحو تفكيك الحلقة التي تربط بين النفوذ السياسي والاستقرار المعيشي داخل البيئة الحاضنة.
وفي هذا السياق، تكشف الإشارات إلى دور شركات تركية وتعاون أفراد مرتبطين بروسيا في اتساع هامش الاشتباك المالي، وتحويله إلى ساحة مواجهة دولية غير معلنة، تتقاطع فيها العقوبات مع التنافس الجيوسياسي الأوسع بين واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران. وهو ما يمنح هذه الإجراءات بعدًا يتجاوز الساحة اللبنانية، ليضع الحزب ضمن شبكة إقليمية–دولية باتت تعمل في فضاء اعتاد التعامل مع العقوبات والتكيّف معها.
وتفتح هذه الخطوة الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بتداعياتها على الاقتصاد اللبناني الهش، وعلى مستقبل القطاع غير الرسمي، وعلى قدرة الدولة على إعادة الانتظام المالي في ظل استمرار الضغوط الدولية.
ويقول استاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى لـ"لبنان24" أن فرض هذه الحزمة من العقوبات الأميركية يأتي في توقيت إقليمي بالغ الدقة، حيث تتداخل مسارات التصعيد والردع بين الولايات المتحدة وإيران، وتتزامن مع مرحلة إعادة تموضع إسرائيلي بعد التحولات التي أعقبت السابع من تشرين الأول، إضافة إلى محاولات أميركية أوسع لإعادة ضبط الساحات غير المستقرة في الشرق الأوسط. من هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة العقوبات باعتبارها إجراءً ماليًا تقنيًا معزولًا، بل كجزء من سياسة ضغط مركّبة تستخدم الأدوات الاقتصادية لتعديل سلوك فاعلين في بيئات هشة.
الرسالة السياسية الأساسية التي تسعى واشنطن إلى إيصالها تتمثل، بحسب موسى، في التأكيد على أن اتساع هامش الاشتباك الإقليمي لن يُقابَل فقط بإجراءات ردع عسكرية، بل بتجفيف ممنهج لمصادر التمويل، وخصوصًا تلك التي تعمل خارج النظام المالي الرسمي، بما يهدف إلى رفع كلفة الاستمرار في نماذج التمويل غير النظامية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. خاصةً أن «القرض الحسن» يمثل شريحة وازنة من المتعاملين معه، وهم صلب بيئة المقاومة، وبالتالي فإن المساس بهم يُعدّ من المحرّمات لدى الحزب، رغم التكيّف مع التطورات الأخيرة، من مؤسسة «جود» إلى غيرها.
ومن الناحية القانونية، لا تشكّل هذه العقوبات قطيعة مع سياسات سابقة، إذ تستند إلى أطر تشريعية أميركية قائمة منذ سنوات، وإلى منظومة دولية لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال أُرسيت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. إلا أن البعد النوعي فيها يكمن، وفق موسى، في انتقال الاستهداف من الشبكات الخارجية إلى البنية المالية الداخلية المرتبطة بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية للحزب. ويعكس هذا التحول إدراكًا أميركيًا بأن الفاعلية السياسية والتنظيمية لأي فاعل مسلح لا تقوم فقط على قدراته العسكرية، بل على قدرته على توفير حدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل بيئته الحاضنة.
وتُظهر التجربة التاريخية للعقوبات المفروضة منذ منتصف العقد الماضي أنها لم تؤدِ، كما يقول موسى، إلى وقف مصادر التمويل بشكل كامل، لكنها نجحت في رفع كلفة التحويل، وتعقيد مساراته، وتقليص قدرة الحزب على استخدام النظام المالي الدولي. وقد دفع ذلك إلى توسّع الاعتماد على النقد، وعلى شبكات غير رسمية، وعلى قطاعات تُعدّ تقليديًا مخازن للقيمة في الاقتصادات غير المستقرة، وفي مقدّمها الذهب. وفي السياق اللبناني، اكتسب الذهب أهمية إضافية بعد انهيار الثقة بالقطاع المصرفي، ما جعله جزءًا من الاقتصاد الموازي الذي يتقاطع فيه البعد الاجتماعي مع الاعتبارات السياسية والمالية.
وضمن هذا الإطار، يكتسب استهداف مؤسسات مالية ذات طابع اجتماعي مثل «القرض الحسن» دلالة تتجاوز البعد المالي المباشر، إذ يطال وظيفة هذه المؤسسات في توفير بدائل عن الدولة في بيئات تعاني من الانهيار المؤسسي. فالهدف هنا ، كما يشير موسى، ليس فقط الحدّ من التدفقات المالية، بل إضعاف الحلقة التي تربط بين الانتماء السياسي والأمان الاقتصادي، بما ينعكس على تماسك البنية الاجتماعية التي يستند إليها الحزب.
ورغم الطابع الموجّه للعقوبات، إلا أن انعكاساتها لا تبقى محصورة بالإطار التنظيمي المستهدف، إذ غالبًا ما تمتد إلى المواطنين العاديين المرتبطين بـ«القرض الحسن»، لا سيما في اقتصاد يعاني أصلًا من توسّع القطاع غير الرسمي. ولذلك أي ضغط على هذا القطاع يزيد من هشاشة الثقة في السوق النقدية، ويعمّق الفجوة بين اقتصاد رسمي شبه مشلول واقتصاد موازٍ متنامٍ.
أما القطاع المصرفي اللبناني، فهو في موقع دفاعي منذ سنوات، وليس له علاقة مباشرة بمالية الحزب، وقد صدرت تعاميم مختلفة في هذا السياق. وتأتي هذه العقوبات، وفق قراءة موسى، لتزيد من عزلة لبنان المالية، وتحدّ من قدرته على إعادة الاندماج في النظام المالي الدولي في المدى المنظور، خاصة في ظل إدراجه على القائمة الرمادية ومتطلبات «فاتف» وغيرها من المؤسسات الدولية. كما أن وجود شركاء وشبكات تمتد إلى روسيا وتركيا وسوريا وإيران، إن صحّ ذلك، يعكس تحوّل الحزب إلى جزء من منظومة اقتصادية-سياسية عابرة للحدود، تعمل ضمن فضاء دولي بات معتادًا على العقوبات. ويختلف التعامل مع الضغوط الأميركية من دولة إلى أخرى، بين من يعتبر العقوبات واقعًا بنيويًا دائمًا، ومن يعتمد استراتيجيات الالتفاف والصبر الطويل، أو يوازن بين التزاماته الدولية ومصالحه الاقتصادية، ما يمنح هذه الشبكات هامش حركة متغيّرًا لكنه غير معدوم.
اما على المستوى العسكري، فتشير التجارب المقارنة إلى أن العقوبات نادرًا ما تؤدي إلى إضعاف مباشر وفوري للقدرات القتالية، لكنها تؤثر في الاستدامة الطويلة الأمد، وفي مرونة شبكات الدعم والإمداد، وتفرض إعادة ترتيب للأولويات المالية. وعليه، فإن التأثير المرجّح يتمثل، كما يقول موسى، في دفع الحزب إلى مزيد من التكيّف الاستراتيجي، لا إلى تغيير جذري في عقيدته أو دوره الإقليمي. لكن على صعيد التصعيد الأمني، فالعقوبات ترفع منسوب التوتر، لكنها لا تجعل الانفجار حتميا، إذ غالبا ما تستخدم كأداة ضغط ضمن إدارة الصراع لا لحسمه. فداخليا، ستنعكس هذه الضغوط في زيادة الاستقطاب السياسي حول موقع الحزب ودوره، في ظل ضعف بنيوي للدولة وعجزها عن إنتاج سياسة اقتصادية شاملة قادرة على تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية.
في المحصلة، تفتح هذه العقوبات على مجموعة من السيناريوهات، تتراوح ، وفق موسى،بين استمرار الضغط المالي ضمن سقوف مضبوطة، أو تخفيفه في حال التوصل إلى تفاهمات إقليمية أوسع، أو استخدامه كورقة في مسار تفاوضي طويل. وفي كل الحالات، يبقى نجاح هذه السياسة أو محدوديتها مرتبطًا ليس فقط بقدرة الطرف المستهدف على التكيّف، بل أيضا بمدى قدرة لبنان على استعادة حدّ أدنى من الدولة الوظيفية القادرة على ضبط اقتصادها، والالتزام بالمعايير الدولية، وتقليص كلفة الصراعات الخارجية على المجتمع.