تحوّل فنجان القهوة الذي يفتتح صباحات اللبنانيين ويختم "عزايمهم" إلى خبرٍ عام، بعدما دعت نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان المؤسسات السياحية إلى اعتماد تسمية "القهوة اللبنانية" بدل "القهوة التركية" على اللوائح والمواد الترويجية وحتى في لغة العاملين اليومية مع الزبائن. الفكرة تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تلامس ما هو أعمق من التسويق. إنها محاولة لاستعادة "الهوية" داخل قطاع الضيافة، وتقديم ما يعتبره اللبنانيون جزءًا من يومياتهم بوصفه علامة محلية لا ملصقًا مستوردًا.
ما هي "القهوة التركية" أصلًا؟
"القهوة التركية" ليست نوعًا من البن بقدر ما هي طريقة تحضير. تُطحن الحبوب طحنًا ناعمًا جدًا أقرب إلى البودرة، ثم تُطبخ على نار هادئة في ركوة صغيرة وتُقدَّم من دون "فلترة"، فتصل إلى الفنجان كثيفة مع طبقة رغوة، ويبقى "التفل" في القاع. هذا الأسلوب نفسه ينتشر بأسماء مختلفة في المنطقة وشرق
أوروبا، ويُشار إليه في أماكن عديدة كقهوة "يونانية" أو "أرمنية" أو حتى "لبنانية" بحسب البلد والثقافة السائدة.
على مستوى "الرمزية"، اكتسبت القهوة التركية حضورًا ثقافيًا واسعًا في
تركيا، إلى حد إدراج "ثقافة وتقاليد القهوة التركية" على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي عام 2013، وهو ما عزّز عالميًا قوة الاسم كعلامة مرتبطة بالطقس الاجتماعي لا بالمطبخ وحده.
لماذا يسمّيها لبنان "تركية" أصلا؟
في لبنان وبلاد الشام عمومًا، شاعت تسمية "قهوة
تركي" تاريخيًا لسببين متداخلين. الأول سياسي ثقافي يعود لحقبة الدولة العثمانية وتأثيرها
الطويل في المشرق، حيث انتقلت أنماط الضيافة والأدوات والمفردات اليومية ضمن فضاء واحد لقرون. والثاني عملي لغوي، إذ صار "تركي" مرادفًا سريعًا لنمط التحضير نفسه، لا لإعلان انتماء قومي للقهوة. حتى اليوم، لا يزال التعبير متداولًا محليًا بصيغ مثل "قهوة" أو "قهوة تركي"، باعتبارها "التسمية الدارجة" لطريقة الإعداد في البيوت والمقاهي، فيما يصفها بعض المهتمين بالمطبخ اللبناني بأنها القهوة اليومية في لبنان والمتشابهة جدًا مع ما يُعرف في دول مجاورة باسم القهوة التركية.
هنا يدخل البعد الذي تراهن عليه النقابة. فالهدف المعلن هو توحيد تسمية تظهر "الخصوصية اللبنانية" داخل قطاع الضيافة، خصوصًا أمام السياح والزوار، بدل إبقاء المنتج نفسه تحت عنوان يوحي بأنه وافد من مكان آخر. وعمليًا، لا أحد يطالب بتغيير الوصفة جذريًا. المطلوب تغيير "اللافتة" فوق الفنجان، أي تحويل القهوة التي تُحضَّر بالطريقة التقليدية نفسها إلى عنصر يُقدَّم كجزء من التراث اللبناني اليومي. وفي بلد تُدار فيه الهوية غالبًا عبر التفاصيل الصغيرة، يصبح الاسم بحد ذاته مساحة تنافس رمزية بين الذاكرة والتسويق والسياسة.
من بيروت إلى الجبل.. الاسم يتبدّل والطعم له لهجات
في لبنان، يكفي أن تقول "قهوة" حتى يعرف الجميع المقصود قبل أن يكتمل الطلب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه فورًا: إذا كانت "القهوة اللبنانية"اسمًا واحدًا… فهل طعمها واحد؟
القهوة بين المناطق.. فنجان واحد بلهجات متعددة
رغم أن
القاعدة واحدة، إلا أن التفاصيل الصغيرة تغيّر التجربة، وغالبًا ما تميّز منطقة عن أخرى. الاختلافات لا تُقاس بقواعد ثابتة، بل بعادات بيتية وذوق اجتماعي، لكن يمكن التقاط ملامح عامة تتكرر كثيرًا.. فما الفرق بين الطعمات في مختلف مناطق لبنان؟
بيروت
تميل القهوة في العاصمة، خصوصًا في المقاهي، إلى "توازن"واضح.. طبخ محسوبة، سكر مضبوط على ثلاثية "سادة–وسط–زيادة"، وأحيانًا حضور خفيف للهال أو غيابه بالكامل. الهدف هنا أن تكون القهوة "مقبولة للجميع" وسهلة التقديم لزائر لا تعرف ذوقه مسبقًا.
يظهر لدى كثيرين ميل إلى قهوة "أقوى" في النكهة، مع تركيز أوضح واعتناء بالرغوة، وفي بيوت كثيرة يصبح الهال جزءًا من الطقس لا مجرد إضافة. في الجلسات العائلية الطويلة، تُعامل القهوة كـ"رفيقة الكلام"، فتُحبّ أكثر كثافة وأوضح حضورًا.
الجنوب
غالبًا ما تُقرأ القهوة في الجنوب كعنوان للضيافة والكرم: فنجان "سادة" حاضر بقوة، مع قابلية أعلى لتقديم قهوة "ثقيلة" النكهة، خصوصًا في مناسبات الاستقبال الرسمية أو الاجتماعية. الهال قد يحضر وقد يغيب بحسب البيت، لكن "قوة القهوة" بحد ذاتها تُعتبر جزءًا من الهيبة في طقس التقديم.
الجبل
في قرى الجبل، تلعب البرودة والبيئة دورًا غير مباشر في المزاج العام.. قهوة "تدفّي" وترافق الصباح الباكر أو السهرات. هنا قد تميل بعض البيوت إلى غليّ أطول قليلًا تمنح القهوة عمقًا أكبر، مع مساحة واسعة لتفضيلات خاصة: بيت يفضّل الهال واضحًا، وآخر يرفضه تمامًا، وبيت يصرّ على "سادة" كقاعدة لا نقاش فيها.
الهال والسكر.. التفاصيل التي تصنع الهوية
الهال ليس مجرد "بهار" بل توقيع. من يضعه بكثرة يبحث عن عطرٍ يسبق الرشفة، ومن يقلّل منه يريد أن يبقى طعم البن سيّد الفنجان. أما السكر، فغالبًا ما يكشف طبيعة العلاقة بالقهوة: "سادة" لمن يطلب القهوة كطقس صارم أو كمنبّه صريح، و"وسط" لمن يريدها رفيقة حديث، و"زيادة" لمن يجعلها أقرب إلى ضيافة "مصالحة" مع المزاج.
وأخيرًا بين "تركي" و"لبناني"، قهوة مركّزة أم لا، مع هال أو بدونه ،يبقى الأكيد أن الفنجان لن يتبدّل كثيرًا، وسيبقى أنيس اللبنانيين صباحًا، نهارًا، وليلاً.