تسبب قرار الحكومة الأخير بزيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة الـTVA بنسبة 1% بالتوازي مع إقرار زيادة 6 رواتب على أساس راتب القطاع العام، ومنح العسكريين 6 رواتب إضافية على أساس القيمة التي كانت مُقررة عام 2019 ، بموجة غضب واستياء لدى معظم اللبنانيين، بانتظار ما قد يؤول إليه هذا القرار لاسيما مع الدعوات لتحركات شعبية وتنفيذ إضرابات رفضا لهذه القرارات.
وفي هذا الإطار، اعتبر خبير المخاطر المصرفية والباحث في الإقتصاد
الدكتور محمد فحيلي في حديث لـ "
لبنان 24" ان "قرار الحكومة هذا يجمع ما بين مسارين متناقضين في
الظاهر: ضخ إنفاق إضافي عبر زيادات في الرواتب، وتمويله عبر ضرائب غير مباشرة تصيب الجميع، ولكن عند التدقيق، يظهر أنه مسار واحد: توسيع الكتلة الجارية للدولة وتمويلها من جيوب المواطنين."
وأشار إلى ان "زيادة البنزين ليست مجرد رقم على صفيحة، بل هي زيادة في كلفة النقل، وفي كلفة توزيع الغذاء، وفي كلفة كل سلعة مستوردة أو منتجة محلياً، واقتصاد لبنان يعتمد على الاستيراد ما يعني أن أي ارتفاع في كلفة النقل أو الطاقة ينعكس مباشرة على الأسعار."
وأضاف: "أما رفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، فهو بطبيعته ضريبة تضخمية لأنها تُفرض على الاستهلاك النهائي أي أنها تصيب الغني والفقير معاً، لكنها تُرهق الفقير أكثر لأنه ينفق نسبة أكبر من دخله على الاستهلاك."
وقال فحيلي: "عندما تُجمع هاتان الزيادتان في لحظة واحدة، فإن الرسالة إلى السوق واضحة: الأسعار ستواصل الارتفاع. هكذا يدخل الاقتصاد في حلقة: زيادة رواتب تدفع بإتجاه ارتفاع أسعار وتآكل الزيادة ومن ثم مُطالبات جديدة بزيادات إضافية."
ولفت إلى ان "زيادات الرواتب خاصة إذا لم تُقرن بإصلاح هيكلي في
الإدارة العامة أو ضبط كتلة الأجور، تعني زيادة في الإنفاق الجاري والسؤال الحاسم هو: هل الزيادات الضريبية الجديدة تكفي لتغطية هذه الكلفة بشكل مُستدام؟ فإذا لم تكفِ، فإن البدائل محدودة وخطيرة: إما تراكم عجز إضافي، أو لجوء غير مباشر إلى التمويل النقدي، أو تأجيل التزامات، أو تحميل الاقتصاد مزيداً من الرسوم لاحقاً".
وأوضح انه "في مواسم الصيام يرتفع الاستهلاك الغذائي عادة، وتزداد الحساسية الاجتماعية تجاه الأسعار، فأي زيادة في البنزين أو الضريبة على القيمة المضافة في هذه الفترة تُقرأ كضغط إضافي على الأسر في أكثر لحظات السنة إنفاقاً."
واعتبر فحيلي انه "قد يُفهم القرار كخطوة لاحتواء القطاع العام والعسكريين تحديداً، لضمان الاستقرار المؤسسي، لكن اجتماعياً، الرسالة إلى بقية اللبنانيين واضحة: أنتم تموّلون الزيادة."
ولفت إلى ان "الحل ليس في تجميد الرواتب، ولا في تجاهل مُعاناة القطاع العام، بل في إعادة ترتيب الأولويات ضمن إطار إصلاحي واضح، وهي كالتالي:
أولاً: يجب ربط أي زيادة في الإنفاق بإصلاح إداري فعلي: إعادة توزيع الموظفين، إقفال المؤسسات غير المنتجة، رقمنة الإدارة، وقياس الأداء، فزيادة الرواتب من دون رفع الإنتاجية تعني ببساطة تضخماً أعلى.
ثانياً: يُمكن توسيع
القاعدة الضريبية بشكل عادل: مكافحة التهرب الضريبي، إدخال الاقتصاد النقدي إلى
الدورة الرسمية، فرض ضريبة تصاعدية حقيقية على الأرباح الكبيرة، وتحسين التحصيل الجمركي.
ثالثاً: إنشاء شبكة أمان اجتماعي موجهة بدقة، لا عبر مبادرات موسمية، بل عبر دعم مباشر للأسر الأكثر هشاشة، ممول بشفافية ومرتبط ببيانات واضحة.
وأخيراً، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن الإصلاح البنيوي للقطاع المصرفي واستعادة الثقة، لأن اقتصاداً بلا ثقة هو اقتصاد تضخمي بطبيعته.
ورأى فحيلي ان "قرار الحكومة هذا قد يُحقق تهدئة مؤقتة في القطاع العام، لكنه يحمل في طياته مخاطر تضخمية واضحة، خاصة في توقيت حساس اجتماعياً، فإذا لم يكن جزءاً من خطة إصلاح شاملة، فإنه قد يتحوّل إلى حلقة إضافية في سلسلة القرارات التي تُعالج العارض لا المرض".