تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

سجال الانتخابات النيابيّة يتجدّد.. من يريدُها ومن يسعى لتأجيلها؟

حسين خليفة - Houssein Khalifa

|
Lebanon 24
24-02-2026 | 07:00
A-
A+
سجال الانتخابات النيابيّة يتجدّد.. من يريدُها ومن يسعى لتأجيلها؟
سجال الانتخابات النيابيّة يتجدّد.. من يريدُها ومن يسعى لتأجيلها؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
عادت حرارة السجال الانتخابيّ لتتصدّر الواجهة السياسيّة في لبنان، مدفوعةً بسلسلةٍ من المواقف المتسارعة التي صدرت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية. فقد أحدث كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري موجةً من التساؤلات حين أشار إلى وجود توجّهٍ خارجيّ يميل نحو تأجيل الاستحقاق المقرّر في أيار المقبل، قبل أن يوضح أنه نقل "أجواء داخل الخماسية تميل إلى التأجيل"، ولم يتحدّث عن "طلب مباشر" تلقاه من سفراء اللجنة أو غيرهم.

 

اتهام بري الصريح للخارج، بما يحمله من دلالاتٍ في التوقيت أولاً، أعاد خلط الأوراق ووضع الاستحقاق الدستوريّ أمام مجهر النوايا، خاصةً في ظلّ الضغوط الاقتصاديّة والأمنيّة التي تظلّل المشهد العام. أما التوضيح الذي صدر عن مكتبه الإعلامي فرغم ما حمله من تعديل في النبرة، لا يلغي جوهر الإشكالية، بل ربما يزيدها تعقيدًا، خصوصًا أنه جاء ليخفّف حدة الاتهام من دون أن يسحبه، ما يطرح تساؤلاً جوهريّاً حول طبيعة الرسائل المتبادلة بين الداخل والخارج، وما إذا كان هذا التباين يعكس تخبّطاً في الرؤى أم أنّه مجرّد "بالونات اختبار".

 

وبالتوازي مع هذا السجال، عاد الحديث عن "صعوبة" إجراء الانتخابات الآن، وسط تسريبات عن ضغوطٍ تقودها دول محددة لتأجيل عام على الأقل، مع إصرار بري على أنّ ملف التمديد "ليس عندي"، وأنه يرفض التمديد التقني. لكن، إذا كان الجميع يعلن تمسكه بالدستور والمهل، لماذا تتكاثر المؤشرات التي تُبقي باب التأجيل مفتوحًا؟ وهل هناك إرادة فعلية لإنجاز الانتخابات، أم أنّ الجميع يبحث عن "شماعةٍ" خارجيّة يعلّق عليها رغبتَه الضمنيّة في التأجيل؟

 

كيف يُفهَم كلام بري؟



من الواضح أنّ الإشكاليّة الحقيقيّة التي تطلّ برأسِها اليوم لا تقتصر على الموعد التقنيّ للانتخابات، ولا على مسألة انتخابات المغتربين بما تحمله من جدل، بل تتعدى كلّ ذلك إلى البحث في "هويّة المعطّل". فبين اتهام الخارج بفرملة المسار الديمقراطيّ وبين دفاع المؤسسات المحليّة عن جهوزيّتها، تضيع الحقائق وسط التصريحات المتناقضة، ويجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد "مكرّر" من لعبة "تقاذف المسؤوليات"، إن صحّ التعبير.

 

بهذا المعنى، يرى كثيرون في كلام رئيس مجلس النواب الأخير، والتوضيح الذي لم يلغِ فحواه، انتقالًا إلى استراتيجية الهجوم الاستباقي التي تهدف إلى إحراج الجميع قبل أن يتكرس الأمر الواقع، إذ يبدو أنّ بري استشعر رغبةً مضمرةً لدى بعض الأطراف في رمي "كرة النار" الانتخابيّة في حضن البرلمان. ولذلك، سارع إلى بناء "متراس" كلاميّ يحمي موقعه، مفادُه أنّ المجلس النيابيّ جاهزٌ ومستعدّ، وأنّ أيّ عرقلة ليست إلّا نتيجة لتردّد خارجيّ أو تلكؤ حكوميّ.

 

أكثر من ذلك، حين يقول بري إن الخارج هو الذي يطلب التأجيل، فيما يصرّ هو على إجرائها في موعدها، فهو يسعى لانتزاع "صك براءة" مسبق من أي تعطيل، بعدما حرص على أن يقدّم ترشيحه مبكرًا. وبذلك، هو يرمي بالكرة في ملعب الخماسية والحكومة معًا، واضعًا سقفًا مسبقًا لأيّ صفقة تأجيل قد تحاك في الكواليس، عنوانه: إذا كان لا بدّ من تأجيل، فليأتِ بمشروع قانون واضح من مجلس الوزراء ليتحمّل الجميع المسؤوليّة الجماعيّة أمام الرأي العام.

 

هل الخارج فعلاً يريد التأجيل؟

 

في معرض التعليق على كلام رئيس مجلس النواب، يرى البعض أنّه لا يدافع عن الموعد الدستوري لإجراء الانتخابات بقدر ما يدافع عن "براءته من دم التأجيل"، إن جاز القول. ومن خلال تحويل الاتهام إلى "أجواء خارجيّة" ووضع الحكومة أمام مسؤولياتها القانونيّة في ملف المغتربين، يكون قد أعدّ "محضر مسؤوليّة" مسبقاً يحميه من أيّ نكسة ديمقراطيّة قادمة. لكن، هل نحن أمام رغبة خارجية فعلية بإرجاء الانتخابات، أم أمام استخدام داخلي لهذه "الرغبة" كأداة ضغط ودرع سياسي لتحديد المسؤوليات سلفًا؟

 

في الحسابات الدولية، قد لا تكون الانتخابات هدفًا بذاتها بقدر ما هي جزء من "إدارة الاستقرار"، ولذلك فقد تتقدّم اعتبارات الأمن على اعتبارات السياسة في لحظات محدّدة. فالخارج، الذي يراقب بدقّةٍ ملفاتٍ شائكة مثل الحدود والوضع الماليّ، قد يرى اليوم أنّ عنوانًا مثل "حصر السلاح" أهمّ من الانتخابات إذا كانت ستشوّش على مساره، أو تعيق تقدّمه. ومع ذلك، يظلّ الموقف الرسميّ المعلن متمسّكاً بضرورة إجراء الانتخابات في مواعيدها.

 

في المقابل، يرى محللون أنّ الإصرار على نسب رغبة التأجيل للخارج قد لا يكون إلّا محاولةً محليّة للهروب إلى الأمام، وهذا ليس بجديد في السياسة المحلية، لكنه يتخذ اليوم  شكلين متوازيين ومتعاكسين في الوقت نفسه، أولهما استخدام "الخارج" كدرع وقائي في حال تعثّر الاستحقاق لسبب أو لآخر، والثاني استخدامه كذريعة هجومية، إذ إنّ أيّ فريق داخلي يرغب بتبرير أي تأجيل للانتخابات قد يجد في "الأجواء الدولية" مخرجًا نظيفًا.

 

فعلى بُعد أقلّ من ثلاثة أشهر من الموعد المحدّد للانتخابات، يتبيّن أنّ المشهد اللبنانيّ محكومٌ بمفارقةٍ غريبة: الكلّ يعلن تمسّكَه بالانتخابات، لكنّ الكلّ أيضًا في باطنه يفضّل تلافي أعباءَها. بهذا المعنى، قد يكون سجال الساعات الماضية كشف أنّ "الأجواء" الحقيقيّة، سواء كانت داخليّة أو خارجيّة، تميل نحو البحث عن مخرجٍ هادئٍ للإرجاء من دون تحمّل المسؤوليّة المباشرة. فهل تكون الخطوة الأولى نحو تبرير "التمديد" قد أضحى مطلبًا دوليًا، لا محليًا فحسب؟!
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

حسين خليفة - Houssein Khalifa