100 عام مرّت على وضع
الدستور اللبناني، وقرن كامل من الانقلابات على المعنى قبل النص.. 100 عام على وضع الدستور اللبناني، و100 عام على التغييرات والضبابية والحروب والأزمات والتعديلات والاستثناءات. وكلما تعمّقنا أكثر في زواريب الحياة السياسية
اللبنانية، ظهرت أمامنا مفردات وقرارات ومحطات صنعت جدلًا واسعًا، أو كرّست استثناءات على القوانين، بل أحيانًا على التوجهات العامة نفسها.
100 عام على دستور كُتب وسط النضالات والتحولات الكبرى، فيما يقف
لبنان اليوم في واحد من أكثر مراحله قسوة وتعقيدًا. ومن قلب هذا "الدرك" السياسي والمؤسساتي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا "هل نحن أمام دستور لا يراعي الخصوصية اللبنانية فعلًا، أم أمام طبقة سياسية لا تراعـي الدستور أصلًا؟".
في مئوية الدستور، لا تبدو المناسبة مجرّد محطة رمزية أو بروتوكولية، بل فرصة لإعادة فتح نقاش لبناني قديم ومتجدد حول معنى الدولة نفسها. فالدستور ليس نصًا للاحتفال فقط، ولا وثيقة تُستحضر عند الأزمات ثم تُعاد إلى الأدراج، بل هو الإطار الذي يفترض أن ينظّم السلطة، ويضبط التوازنات، ويحمي فكرة الدولة من الفوضى والتغوّل والاستنسابية.
ما يمنح الدستور اللبناني خصوصيته أن الحديث عنه لا ينطلق فقط من عمره
الزمني، بل من كونه نصًا تأسيسيًا حمل في زمنه عناصر حداثة سياسية ودستورية متقدمة نسبيًا في المنطقة. فقد وضع إطارًا واضحًا لفكرة المؤسسات، وحدّد السلطات وصلاحياتها، وربط الحياة العامة بمنطق الدولة والقانون، لا بمنطق القوة العارية وحدها. وهذا بحد ذاته كان خطوة متقدمة في بيئة إقليمية لم تكن قد استقرت بعد على نماذج دستورية راسخة.
لكن تميّز الدستور اللبناني لا يعني أنه كان نصًا كاملًا أو معزولًا عن الأزمات. على العكس، فلبنان عاش خلال قرن كامل على إيقاع اختبارات قاسية طاولت الدولة والمجتمع والنظام السياسي معًا. مرّت حروب داخلية وخارجية، وتدخلات، وانقسامات حادة، وتسويات كبرى، وتعديلات مفصلية. ومع ذلك، بقي الدستور، ولو بتعديلات وتفسيرات متباينة، المرجعية التي يُعاد فتحها عند كل استحقاق كبير. وهذه الاستمرارية وحدها تكشف أن النص ظلّ أقوى من محاولات شطبه، حتى حين ضعفت هيبة الدولة أو تعطلت مؤسساتها.
المفارقة اللبنانية، وربما عقدتها المركزية، ليست في غياب النص الدستوري بقدر ما هي في فائض التأويل السياسي له. ففي كثير من
المحطات، لم يُتعامل مع الدستور كمرجعية مُلزمة بقدر ما استُخدم كساحة نزاع بين القوى، كلٌّ يقرأه من زاويته، ويستند إلى مواده حين تخدم موقعه، ويتجاوز روحه حين تضيق عليه الخيارات. هنا تحديدًا تتسع
الفجوة بين "حداثة النص" و"تقليدية الممارسة"، بين دولة يفترض أن تحكمها القواعد، ونظام سياسي غالبًا ما تحكمه التسويات والأعراف وموازين القوى.