توسعت في الأسابيع الأخيرة موجة إنذارات الإخلاء التي تلقّاها مستأجرون خاضعون لـ"
قانون الإيجارات القديم"، بعدما استند بعض المالكين إلى أحكام قانون الإيجارات المعدّل رقم 2/2017، الذي حدّد تمديدًا تلقائيًا للعقود وفق المادة 15 لمدة 9 سنوات لغير المستفيدين من الصندوق و12 سنة للمستفيدين منه، بما يعني عمليًا بلوغ محطات مفصلية في 28 شباط 2026 و28 شباط 2029.
لكن الإشكالية، أنّ هذا القانون لم يُرفق فعليًا بالبنية التنفيذية التي يفترض أن تقوم عليها آليته، أي اللجان المختصّة لتلقي الطلبات وصندوق التعويضات أو دعم المستأجرين، ما فتح الباب أمام تضارب في التفسيرات حول احتساب المهل وسريانها أصلًا.
مصدر قانوني يلفت عبر "
لبنان24" إلى أنّ الإنذارات التي وُجّهت "غير لازمة" بالمعنى العملي، لأن العلاقة التأجيرية يمكن أن تُدار بالحوار المباشر بين المالك والمستأجر للوصول إلى "تحرير الإيجار" وتعديل بدل الإيجار بما يراعي حقوق الطرفين، من دون تحويل الأمر تلقائيًا إلى مسار إخلاء. والأهم، وفق المصدر، أنّ المالك لا يستطيع "إجبار" المستأجر على الإخلاء بإنذار وحده، لأنّ الإخلاء مسألة نزاعية يفصل فيها
القضاء عند الاختلاف، لا مجرّد إشعار يُنتج مفاعيله وحده.
في المقابل، تشهد الاروقة تعدّد الاجتهادات. فبينما تتمسّك مقاربةٌ بعدم جواز "تجزئة القانون" والقول إنّ انتهاء العقود أو بدء احتساب المهل لا يستقيم طالما أنّ اللجان والصندوق غير قائمين، تذهب آراء قضائية أخرى إلى اتجاهات مغايرة، ما يجعل المستأجرين والمالكين أمام حالة عدم يقين قانوني تزيد منسوب التوتر وتدفع بعض الأطراف إلى استخدام "الإنذار" كورقة ضغط.
وتبرز هنا أهمية قرارٍ استئنافي شدّد على ترابط نصوص القانون وعدم قابليتها للتجزئة، وربط البحث في انتهاء عقد الإيجار بتوافر الآليات التي يقوم عليها القانون، ولا سيما ما يتصل باللجان والصندوق، معتبرًا أنّ احتساب المهل يظل إشكاليًا في ظل الغياب التنفيذي لهذه المؤسسات.
وبين "تفسير" و"تفسير مضاد"، يبدو الحل الأكثر واقعية اليوم، كما يقول المصدر القانوني، في تجنّب تحويل الملف إلى مواجهة صفرية، وعليه لا بد من جلوس المالك والمستأجر إلى طاولة واحدة للاتفاق على بدل إيجار عاجل ومنصف، وتحرير العقد تدريجيًا بما يحفظ حق السكن ويعيد التوازن إلى حق الملكية، بدل رمي العلاقة مباشرة في
بازار الإنذارات والدعاوى. فالمعركة الفعلية، وفق هذا المنطق، ليست في "إخلاء المأجور" بقدر ما هي في إنتاج صيغة تعاقدية جديدة قابلة للحياة داخل واقع اقتصادي ضاغط على الطرفين.
في خلفية كل ذلك، يظلّ جوهر الأزمة أبعد من مهلة 9 سنوات بحد ذاتها، فإنها أزمة تطبيق. فالقانون، كما تشير قراءات بحثية وحقوقية، تعرّض لانتقادات تتصل بغياب استراتيجية تنفيذ واضحة وبصندوق تعويضات غير ممول، وبمخاطر اجتماعية تتزايد عندما يُترك المستأجرون ذوو الدخل المحدود بلا شبكة أمان فعلية.
وعليه، فإن موجة الإنذارات الأخيرة لا تبدو مجرد إجراء روتيني، بل تعد مؤشرًا إلى مرحلة "شدّ حبال" عنوانها المهل، وجوهرها فجوة التنفيذ. وبين قضاءٍ تتباين قراءاته، ومالكين يبحثون عن استعادة قيمة أملاكهم، ومستأجرين يخشون فقدان الاستقرار السكني، تتقدّم الحاجة إلى حلّ عملي سريع ألا هو تفعيل الآليات التي نص عليها القانون، وفتح مسار تفاوضي يخفّف منسوب الدعاوى، قبل أن تتحول "إنذارات الإخلاء" إلى كرة نار اجتماعية وقضائية في آن واحد.