تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

مجتمعات مرهَقة نفسياً.. ماذا تفعل بنا الحروب؟

آية الحاج - Aya El Hajj

|
Lebanon 24
05-03-2026 | 02:30
A-
A+
مجتمعات مرهَقة نفسياً.. ماذا تفعل بنا الحروب؟
مجتمعات مرهَقة نفسياً.. ماذا تفعل بنا الحروب؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لا تنتهي الحروب عند حدود الدمار المادي أو أعداد الضحايا، بل تمتد آثارها إلى مساحة أعمق وأخطر: النفس البشرية. ففي ظل النزاعات المستمرة والتوترات الأمنية، يعيش الأفراد حالة من القلق الدائم، حتى وإن لم يكونوا في قلب المواجهة. الخوف يصبح جزءاً من الروتين اليومي، والأخبار العاجلة تتحول إلى مصدر توتر مزمن يثقل الروح ويستنزف الطاقة النفسية.

في هذا السياق، يوضح الطبيب النفسي مالك الجردلي أن “التعرض المستمر لأجواء الحرب، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل الإعلام، يضع الإنسان في حالة تأهب دائم. الجهاز العصبي يتعامل مع الأخبار كما لو أن الخطر وشيك، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق واضطرابات النوم وسرعة الانفعال”. ويضيف أن هذا التوتر المزمن قد يتطور إلى أعراض اكتئابية، مثل فقدان الحافز، والشعور بالعجز، والتشاؤم تجاه المستقبل.

ويشير الجردلي إلى أن المجتمعات التي تعيش تحت وطأة التهديد المستمر تعاني ما يُعرف بـ “القلق الجماعي”. هذا النوع من القلق لا يقتصر على فرد بعينه، بل يصبح شعوراً عاماً يسود العلاقات اليومية. يتجلى ذلك في ازدياد العصبية في الشارع، وتراجع القدرة على التحمل، وانتشار مشاعر الإحباط.

ويتابع قائلاً: “عندما يشعر الإنسان بأن مصيره خارج عن سيطرته، يبدأ بفقدان الإحساس بالأمان، وهو أحد أهم الاحتياجات النفسية الأساسية. ومع استمرار هذا الشعور، تظهر أعراض الاكتئاب بصورة تدريجية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون هشاشة نفسية سابقة”.

أما الأطفال، فهم الفئة الأكثر تأثراً وإن لم يدركوا أبعاد ما يجري. يؤكد الطبيب أن الطفل يلتقط مشاعر الخوف من والديه حتى لو لم تُشرح له الأحداث. “قد يظهر القلق لدى الطفل عبر التعلق الزائد، أو التبول اللاإرادي، أو اضطرابات النوم، أو حتى السلوك العدواني. هذه كلها طرق غير مباشرة للتعبير عن خوف داخلي لا يستطيع صياغته بالكلمات”.

ويحذر من خطورة تعريض الأطفال المتكرر لمشاهد العنف عبر الشاشات، مشيراً إلى أن الدماغ في هذه المرحلة العمرية لا يميز دائماً بين المشهد المنقول والواقع المباشر، ما يعمّق الشعور بالتهديد.

ويرى الطبيب أن “المجتمع المرهق نفسياً يصبح أقل قدرة على الإنتاج والإبداع، لأن الطاقة الذهنية تُستهلك في التفكير بالمخاطر بدلاً من التخطيط للمستقبل”. هذا الاستنزاف الطويل الأمد قد يترك آثاراً تمتد لسنوات حتى بعد انتهاء النزاع.

ينصح المختص بعدة خطوات للتخفيف من الأثر النفسي للحروب، منها تقنين متابعة الأخبار، والحفاظ على روتين يومي يمنح شعوراً بالاستقرار، وممارسة أنشطة بدنية أو فنية تساعد على تفريغ التوتر. كما يشدد على أهمية الحديث عن المشاعر وعدم كبتها، وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

ويختم حديثه بالتأكيد أن “الاعتراف بالتعب النفسي ليس ضعفاً، بل خطوة أولى نحو التعافي. في زمن الحروب، العناية بالصحة النفسية ضرورة وليست رفاهية”.

في النهاية، قد تعيد الحروب رسم خرائط الجغرافيا، لكنها تترك أيضاً خرائط خفية في داخل الإنسان. الحفاظ على التوازن النفسي، رغم صعوبة الظروف، هو شكل من أشكال المقاومة الصامتة، وحماية للأجيال القادمة من إرث الخوف غير المرئي.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

آية الحاج - Aya El Hajj