لم يسبق أن شهد
لبنان في تاريخ حروبه الخارجية والداخلية ظاهرة كتلك التي شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت، التي استطاعت
إسرائيل أن تفرغها من أهلها خلال ساعات معدودة بمجرد أن وجّه افيخاي ادرعي تحذيرًا بضرورة إخلاء هذه المنطقة الجغرافية الأكثر اكتظاظًا في لبنان، وذلك تحت عنوان الادعاء بـ "الحفاظ على سلامة أهاليها". وفي أقل من دقائق تحوّلت شوارع الضاحية المؤدية إلى مخارجها الشمالية والشرقية إلى طوفان بشري غير مسبوق، حيث هام الكبار والصغار على وجوههم من دون تحديد وجهتهم النهائية.
هو مشهد كافٍ لوحده ليختصر معاناة شعب بأكمله زُجّ به مرّة جديدة في أتون حرب اعتبرها
الأمين العام لـ"
حزب الله" الشيخ نعيم قاسم بأنها غير متوازنة القوى. فمن شاهد بأم العين كيف تهافت أهل الضاحية للخروج منها يعرف تمام المعرفة كم كان قرار إدخال لبنان في حرب مساندة جديدة خاطئًا وفي غير موقعه الطبيعي، وكم كان الذين دفعوا اللبنانيين في اتجاه المصير المجهول – المعلوم غير مدركين لعواقب هكذا قرار، وما يمكن أن تؤول إليه الحال بعدما أصبح لبنان كله، وبالأخص البيئة، التي كانت مصنّفة حاضنة لـ"الحزب" معرّضًا لزلازل متنقلة من الجنوب إلى الضاحية فالبقاع، وحيث يعتقد الإسرائيليون أن أمنهم مهدّد (فندق كومفورت) في الحازمية كمثال على مدى قدرتهم التجسسية في أي بقعة من لبنان يُشتّم بأن فيها مسؤولين من "الحزب" أو من "الحرس الثوري
الإيراني".
فعلى رغم البعد العسكري لتفريغ منطقة عن "بكرة أبيها" من سكانها، تمامًا كما حصل في
قطاع غزة، وعلى مراحل، فإن البعد الإنساني لم يغب عن مشهد هذا الطوفان البشري الهائم على وجهه سعيًا إلى الاحتماء من الغارات
الإسرائيلية، التي تهدف إلى زيادة الضغط على لبنان من خلال تكثيف اعتداءاتها الوحشية على الضاحية، باعتبار أن أصوات الصواريخ تُسمع من بعبدا وعين التينة والسراي الحكومي أكثر من الغارات التي تستهدف المناطق الجنوبية والبقاعية.
فمشهد مئات الوف اللبنانيين الذين اضطّروا لأن يتركوا منازلهم في الضاحية أسوة بمشهد الذين نزحوا من الجنوب، لم يعد مشهدًا سورياليًا بعدما أصبح النازحون هائمين في بلدهم يفترشون الطرقات والساحات، بل هو مشهد يوضع أولًا وأخيرًا برسم قيادة "حزب الله"، التي أرادت من دون سابق انذار أن تفتح باب جهنم عليها وعلى جميع اللبنانيين.
فهذا المشهد كشف بما لا يقبل الشك عورات كثيرة، من حيث التأثير المباشر لأي قرار غير مدروس وغير محسوبة نتائجه من جهة، ومن حيث الافتقار إلى أماكن إيواء آلاف النازحين من جهة ثانية، وهذا الأمر ينذر، مع تواصل القصف العنيف والمدمر للضاحية، بتداعيات غير مسبوقة على صعيد تأمين تجمّعات كبيرة لإيواء النازحين الجدد، كما أثارت الخشية الكبيرة من احتكاكات في المجتمعات المضيفة بما يستلزم تدابير وإجراءات كثيفة وسريعة تفتقر السلطات
اللبنانية إليها قياساً إلى ضخامة حجم النزوح الطارئ الذي فرضه "الهجوم" التهجيري
الإسرائيلي غير المسبوق على الضاحية.
لكن الأخطر في هذا المشهد الصادم أنه لم يعد مجرد صورة عابرة من صور الحرب، بل تحوّل إلى دليل حيّ على الثمن الذي يدفعه اللبنانيون عندما يُتخذ قرار الحرب خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية. فمشهد الضاحية الخالية من أهلها خلال ساعات، والطرقات التي ضاقت بطوفان النازحين، ليس إلا إنذارًا قاسيًا لما يمكن أن يواجهه لبنان إذا استمرّ منطق المغامرة في التحكم بمصيره.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لم يعد مرتبطًا فقط بقدرة لبنان على تحمّل تبعات هذه الحرب، بل بمدى استعداد من قرّر خوضها لتحمّل مسؤولية النتائج الكارثية التي بدأت ترتسم معالمها على الأرض. لأن ما جرى في الضاحية ليس مجرد حادثة نزوح جديدة، بل لحظة كاشفة تؤكد أن لبنان، بكل طوائفه ومناطقه، أصبح يدفع ثمن قرار لم يكن يومًا قرار دولته.
وقد يكون الانزال الإسرائيلي في بلدة النبي شيت مقدمة لتطورات أخطر قد تبدأ من جهة حاصبيا مرورًا براشيا الفخار ووصولًا إلى بلدة الخيام، التي لا تزال تشهد مواجهات ضارية بين جنود الكتيبة 91 في الجيش الإسرائيلي ووحدات من كتيبة "الرضوان"، التي انتقلت من
بيروت إلى أكثر من منطقة جنوبية، في محاولة لصدّ أي اجتياح إسرائيلي بري.
وإذا كان من درس قاسٍ يمكن استخلاصه من هذا الطوفان البشري الهارب من الموت، فهو أن الحروب التي تُفتح أبوابها بسهولة قد لا يجد أصحابها لاحقًا من يملك القدرة على إغلاقها.
وهذا الأمر بدا واضحًا من خلال ما يُسرّب من شروط قاسية جدًّا تحاول كل من واشنطن وتل أبيب فرضها على لبنان لوقف هذه الحرب المدّمرة. (للبحث صلة)