إطلاق
حزب الله أكثر من 150 صاروخاً دفعة واحدة باتجاه
إسرائيل لم يكن حدثاً عادياً في سياق المواجهة الدائرة على
الجبهة اللبنانية. هذا المستوى من النيران، الذي تزامن أيضاً مع استخدام عشرات الطائرات المسيّرة، فتح باب الأسئلة حول سبب الانتقال إلى هذا الشكل من التصعيد، وما إذا كان يعكس تحولاً فعلياً في مسار المعركة.
في الظاهر، يبدو أن حزب الله أراد من خلال هذه الضربة إرسال إشارة واضحة جداً تتعلق بوضعه العسكري. فبعد فترة طويلة من الضغوط والاغتيالات والضربات التي تعرض لها خلال الأشهر الماضية، يسعى الحزب إلى إظهار أنه تعافى إلى حدّ كبير. صحيح أن قدراته ربما لم تعد مطابقة تماماً لما كانت عليه قبل "حرب الإسناد"، إلا أن ما يحاول إثباته هو أن بنيته التنظيمية والعسكرية ما زالت تعمل بكفاءة عالية، وأنه نجح في إعادة ترتيب صفوفه وتعديل تكتيكاته الميدانية.
الأهم من ذلك أن هذا النوع من العمليات يحمل رسالة إضافية تتعلق بمسألة الاختراقات الأمنية. فإطلاق هذا العدد الكبير من الصواريخ بشكل متزامن ومنظم يوحي بأن الحزب تمكن من تقليص الثغرات التي استُخدمت ضده سابقاً، وأنه أعاد بناء آليات العمل والاتصال بطريقة أكثر تعقيداً ومرونة.
لكن الرسالة الأهم ربما تتعلق بإدارة التصعيد نفسه. فالمشهد الحالي يوحي بأن "حزب الله" يحاول الإمساك بسلم التصعيد والتحكم بدرجاته. بمعنى آخر، هو يريد أن يظهر أن وتيرة الحرب ومستواها لم يعودا مرتبطين فقط بالقرار
الإسرائيلي، بل أيضاً بالقرار الذي يتخذه على الجبهة اللبنانية.
في المقابل، كانت إسرائيل تبدو أكثر ميلاً إلى إبقاء المواجهة ضمن مستوى منخفض نسبياً. فتل أبيب منشغلة بملفات إقليمية أكبر، وعلى رأسها الملف
الإيراني، وهي تدرك أن الانزلاق إلى حرب واسعة في
لبنان سيستنزف قدراتها العسكرية والسياسية في وقت حساس.
غير أن الإشارات الصادرة عن الحزب توحي بأنه لا يكتفي بتصعيد محدود، بل يبدو أنه مستعد للصعود على سلّم المواجهة درجة بعد أخرى، وربما بوتيرة أسرع مما يتوقعه كثيرون. فحين يطلق طرف يعتقد أن الحرب قد تستمر أشهراً طويلة أكثر من 150 صاروخاً دفعة واحدة، فهذا يعني ضمناً أن مخزونه وقدرته على الاستمرار قد تكون أكبر بكثير مما يظهر حالياً.
هذا الأمر يفتح الباب أمام سيناريو استنزاف طويل. فالقصف الكثيف والمتكرر قد يهدف إلى إنهاك منظومات الدفاع الجوي
الإسرائيلية، وعلى رأسها القبة الحديدية، وإلى إبقاء مناطق
الشمال الإسرائيلي في حالة نزوح دائم وعدم استقرار.
ومع ذلك، قد يكون الهدف الأبعد في مكان آخر. فتصعيد من هذا النوع قد يسعى أيضاً إلى دفع إسرائيل نحو خيار العملية البرية. وفي حال حصل ذلك، تكون المعركة قد انتقلت إلى ساحة مختلفة تماماً، حيث يعتقد الحزب أن ميزان المواجهة قد يتغير بشكل كبير.