تتقاطع المعطيات الداخلية مع الضغوط الخارجية لتسريع إطلاق مسار تفاوضي مباشر يضع حدًّا للتدهور الأمنيّ.
ونقل زوّار مرجع رئاسي أن "المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للدفع نحو مفاوضات مباشرة مع
إسرائيل حازت تأييدًا داخليًا وخارجيًا واسعًا، ولا سيّما من
الولايات المتحدة الأميركية التي أبدت استعدادًا لمواكبة المسار التفاوضي سياسيًا وأمنيًا، باعتباره المدخل الوحيد لتبريد الجبهة الجنوبية ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة". ويشير الزوّار إلى أن "العواصم المعنية، الغربية والعربية على السواء، تنظر إلى المبادرة بوصفها فرصة واقعية لإعادة ضبط قواعد الاشتباك وترتيب الأولويات الأمنية والإنسانية في
لبنان".
كتب داوود رمال في" نداء الوطن": وبحسب المعطيات التي نقلها الزوّار، "فإن ثمّة إصرارًا عربيًا ودوليًا واضحًا على أن يتمّ تشكيل الوفد اللبناني المفاوض بموافقة وشراكة كلّ المكوّنات
اللبنانية، مع تركيز خاص على إشراك المكوّن الشيعي، انطلاقًا من قناعة خارجية بأن أي اتفاق لا يحظى بتغطية سياسية وميدانية من هذا المكوّن سيبقى عرضة للتعطيل أو عدم التنفيذ. وفي هذا السياق، أبلغ موفدون دوليون
بيروت أنهم لمسوا خلال زياراتهم إلى تل أبيب موافقة مبدئية إسرائيلية على الانخراط في مفاوضات من دون شروط مسبقة، على أن تُطرح
القضايا الخلافية الكبرى، وفي طليعتها وقف النار وترتيبات الحدود وعودة النازحين، على طاولة البحث منذ الجولة الأولى".
ويؤكّد الزوار أن "الأنظار تتجه حاليًا إلى
رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يُنتظر منه تسمية العضو الشيعي في الوفد، إلّا أن بري يربط هذه الخطوة بضرورة توافر حدّ أدنى من الضمانات، وفي مقدّمها وقف إطلاق النار وعودة الأهالي إلى قراهم، وهو ما يعتبره المعنيون الدوليون بالمبادرة شروطًا يفترض أن تكون نتيجة للتفاوض لا مدخلًا له". ويضيف هؤلاء أن "المجتمع الدولي يلحّ على ضرورة تسمية ممثل شيعي قادر فعليًا على ضمان تنفيذ أي تفاهمات يتمّ التوصّل إليها، باعتبار أن اختيار شخصية من خارج الثنائي الشيعي قد يعرّضها لحملات تخوين وربّما أمور خطيرة أخرى ويفقدها القدرة على الالتزام العملي بما يُتفق عليه".
وفي موازاة ذلك، يتحدّث الزوّار عن "مساعٍ ناشطة بالتنسيق مع
الأميركيين للتوصّل إلى هدنة خلال أيام العيد، إلّا أن السؤال المركزي الذي يواجه الوسطاء يتمحور حول ما إذا كان "حزب اللّه" سيوقف إطلاق الصواريخ في حال التوصّل إلى هدنة موقتة في العيد". وينقل هؤلاء أن "الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كرّر خلال اتصالاته مع القيادات اللبنانية ولمرتين أن رئيس الحكومة
الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يبدي استعدادًا لوقف النار، متسائلًا في المقابل عن مدى التزام الحزب بالتهدئة، وهو سؤال جرى نقله إلى عين التينة وإلى قيادة الحزب، من دون ورود جواب حاسم حتى الآن".
ويخلص زوّار المرجع الرئاسي إلى القول إن "العامل العملي الذي يؤخر انطلاق العملية التفاوضية يتمثل في إحجام بري عن تسمية ممثل المكوّن الشيعي في الوفد، وسط تصاعد الكلام الدولي معه حول هذا الملف، ولا سيّما من الجانبَين الأميركي والفرنسي، في محاولة لتسريع إطلاق المسار التفاوضي قبل أن تفرض الوقائع الميدانية معادلات أكثر تعقيدًا على لبنان والمنطقة".
وتشير الأجواء نفسها إلى أن "نافذة الفرص الدبلوماسية لا تزال مفتوحة لكنها تضيق مع استمرار التصعيد، ما يضع القوى اللبنانية أمام اختبار القدرة على التقاط اللحظة السياسية". وفي انتظار حسم العقدة المتصلة بتركيبة الوفد، يبقى مسار التفاوض معلقًا بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل.
وأبدت مصادر سياسية عبر «الجمهورية»، قلقها الشديد من التهديد
الإسرائيلي بـ«مفاجآت»، الذي أطلقه
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيلكاتس إلى التنفيذ الميداني. فالاتجاه المعلن إسرائيلياً هو عزل الجنوب بضرب الجسور على نهر الليطاني، بعدما انصبت التركيز في الأيام الأخيرة على إتمام عملية تهجير واسعة، توّجت بإفراغ مدينة صور وجوارها والمخيمات. وفي تطور ميداني بالغ الخطورة، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها لعزل منطقة جنوب الليطاني كلياً، عبر استهداف منهجي للجسور، تزامناً مع توغل عسكري صامت تقابله مواجهة ضارية من جانب «حزب الله». وامتد التصعيد ليطاول شرايين الحياة اللوجستية، إذ بدأت موجة استهداف مركزة لمحطات الوقود التابعة لـ«حزب الله»، بعد ضرب مراكز جمعية «القرض الحسن»، في محاولة واضحة لتعطيل قدرته على التحرك والإمداد. والجديد هو التركيز على تهجير بلدات وقرى عديدة في جنوب الزهراني أيضاً. وهذا يثير الهواجس من رغبة إسرائيل في إقامة منطقة موازية تحمي «منطقتها العازلة» شمالاً. فيما الغارات التي هزّت قلب العاصمة بيروت في الساعات الأخيرة، مستهدفة مراكز وأهدافاً تعود إلى الحزب، تشي بأن لا خطوط حمراء جغرافية لتوسع الضربات الإسرائيلية. ويزداد منسوب القلق مع هذا التصعيد المستجد في الخلفية الإقليمية، مع انفجار حرب الطاقة التي كان الجميع يخشاها، مع بدء استهداف إسرائيل حقول النفط، وعلى رأسها حقل «بارس الجنوبي» للغاز الطبيعي، وهو الأضخم في العالم، بالتزامن مع استمرار عمليات الاغتيال للشخصيات المؤثرة في النظام. وقد جاء الرد الإيراني سريعاً بالتهديد بضرب المنشآت النفطية في الخليج، ما سيضع المنطقة في قلب نزاع إقليمي قد يتخذ من أمن الطاقة أحد عناوينه الأساسية في المرحلة الآتية. ووسط هذا كله، يقف لبنان أمام مرحلة «كسر عظم»، تطاول الجغرافيا والديموغرافيا والبنى التحتية والقدرة على الصمود الميداني، في لحظة إقليمية حساسة جداً. دعا وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين أمس، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى إنهاء الحرب المتصاعدة على إيران في أسرع وقت ممكن، كما حضّ إسرائيل على وقف ضرباتها على لبنان. وقال بارولين في نداء مباشر غير معتاد: «أقول انهوا الحرب في أسرع وقت ممكن... واتركوا لبنان وشأنه»، وأضاف: «هذه الرسالة موجهة أيضاً إلى الإسرائيليين».