بعد تسعة عشر يوماً على اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، لم يعد ممكناً مقاربة ما يجري بوصفه مواجهة محدودة يمكن احتواؤها ضمن إطار زمني واضح. فهذه الحرب، في جوهرها، هي امتداد لصراع إقليمي مفتوح تتشابك فيه الجبهات، ما يجعل أي محاولة لتحديد نهايتها أو رسم مسارها أقرب إلى التقدير منها إلى التحليل القائم على وقائع ثابتة.
ضمن هذا المشهد، يتجاوز مسار المواجهة الحسابات
اللبنانية الداخلية، ليرتبط بشكل وثيق بحسابات
إسرائيل، وأولويات
الولايات المتحدة، وتوازنات القوى الاقليمية. فالتصعيد القائم لا يمكن تفسيره حصراً في سياق الضغط التفاوضي، بل يعكس أيضاً محاولة من مختلف الأطراف لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، لإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يتلاءم مع مرحلة إقليمية قيد التشكل. وعليه، فإن الميدان يتقدم على السياسة ويحدد إيقاعها، لا العكس.
وعليه، فإن الصورة تتعقّد أكثر. فبين سعي
دبلوماسي لتوحيد الموقف الرسمي من التفاوض، وضغوط خارجية متزايدة، يجد لبنان نفسه أمام تحدي انهاء الحرب. وفي هذا السياق، برزت التحركات الدبلوماسية، ولا سيما من قبل
فرنسا، التي حاولت إعادة تفعيل دورها التقليدي في الملف اللبناني. إلا أن هذه الجهود لا تبدو حتى الآن قادرة على إحداث خرق فعلي، في ظل غياب استعجال دولي للحلول، خصوصاً من الجانب الأميركي الذي يعتبر أن الوقت لم يحن بعد.
بالتوازي، عاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل قرار
مجلس الأمن 1701، في ضوء التطورات الميدانية المتسارعة. فقد طرحت أفكار لإعادة إحيائه أو تطويره عبر استصدار قرار جديد عن مجلس الأمن الدولي، ينص على تثبيت وجود قوة دولية في
جنوب لبنان، في مواجهة توجهات سابقة كانت تشير إلى إنهاء مهمتها مع نهاية العام. وفي هذا الإطار، تكثّف
الأمم المتحدة اتصالاتها، سعياً للحصول من اسرائيل على موافقة تتيح استمرار عملها، وسط معلومات تتحدث عن احتمالات أوسع قد تشمل ترتيبات أمنية جديدة، وربما حضوراً عسكرياً أميركياً في حال التقدم بمشاريع اقتصادية في المنطقة الحدودية.
غير أن أي توجه نحو إصدار قرار جديد، ولا سيما إذا كان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يطرح إشكاليات معقدة. فهذا الفصل يمنح المجلس صلاحيات واسعة تشمل اتخاذ إجراءات ملزمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وقد تصل إلى استخدام القوة وفرض ترتيبات أمنية مباشرة على الأرض. إلا أن هذا الخيار يصطدم بجملة من العوائق، أبرزها الحاجة إلى تأمين أكثرية داخل المجلس، وعدم استخدام حق النقض من قبل الدول الدائمة العضوية، فضلاً عن حساسيته الداخلية في لبنان، حيث ينظر إليه على أنه مساس بالسيادة وفرض ترتيبات قسرية من الخارج.
في المقابل، وبغض النظر عن النقاش السياسي الدائر، لا يزال القرار 1701 قائماً من الناحية القانونية، ولم يفقد صفته الإلزامية. ويقول الخبير الدستوري والقانوني الدكتور عادل يمين إن قرار مجلس الأمن الدولي 1701 لا يزال قائماً ولم يسقط، رغم ما يواجهه من صعوبات جدّية في التطبيق وتحديات متراكمة على الأرض. فالأصل في قرارات مجلس الأمن أنها تبقى نافذة وملزمة ما لم يصدر قرار جديد عن المجلس نفسه يعدّلها أو يلغيها، وذلك انسجاماً مع مبدأ توازي الصيغ والأصول في القانون الدولي.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث، بحسب يمين، عن سقوط القرار أو انتهاء مفاعيله لمجرد تعثر التنفيذ، إذ إن الإشكالية تكمن في آليات التطبيق والظروف السياسية والأمنية المحيطة، لا في الإطار القانوني للقرار بحد ذاته.
أما في ما يتعلق بطرح إخضاع لبنان للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فيبدو، كما يقول يمين، طرحاً مستبعداً إلى حدّ كبير. فلبنان يُصنّف في موقع الدولة المعتدى عليها لا المعتدية، كما أن جزءاً من أراضيه لا يزال تحت الاحتلال. ومن حيث المبدأ، فإن اللجوء إلى الفصل السابع يُفترض أن يكون لردع دولة معتدية تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وهو ما لا ينطبق على الحالة اللبنانية.