دخلت الشركات الخاصة في لبنان مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد تداعيات الحرب، في وقت لم يكن فيه القطاع قد استعاد توازنه بعد من الأزمات المتلاحقة التي ضربت البلاد خلال السنوات الماضية. فالمؤسسات التي واصلت العمل وسط الانهيار المالي والنقدي، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر قسوة، عنوانه تراجع الأعمال وتزايد الخسائر وتضاؤل القدرة على الصمود. وفي ظلّ هذا المشهد، تبدو الحركة الاقتصادية في حالة انكماش واضحة، إذ انعكس التوتر القائم مباشرة على أداء الشركات في مختلف القطاعات. وتراجعت الأعمال بوتيرة ملحوظة، فيما ارتفعت الضغوط على المؤسسات التي باتت مطالبة بتأمين استمراريتها في بيئة شديدة الهشاشة، حيث تتراجع المداخيل وتبقى الأكلاف التشغيلية مرتفعة، من رواتب ومصاريف تشغيل ونقل وخدمات أساسية.
ولا تنفصل هذه المعاناة عن السياق الأوسع الذي يعيشه القطاع الخاص في لبنان. فالشركات لم تخرج بعد من آثار الانهيار الاقتصادي، ولم تنجح في تعويض الخسائر التي راكمتها خلال السنوات الماضية، سواء نتيجة تراجع القدرة الشرائية، أو اضطراب الأسواق، أو أزمة السيولة، أو صعوبة الوصول إلى التمويل في ظل الشلل الذي يضرب القطاع المصرفي. من هنا، فإن أي تصعيد أمني جديد لا يشكل مجرد أزمة عابرة، بل يضيف عبئاً ثقيلاً إلى واقع مثقل أساساً.
الاستمرارية في خطر
وتبدو الشركات الصغيرة والمتوسطة في مقدمة المتضررين، باعتبارها الأقل قدرة على امتصاص الصدمات والأضعف من حيث الاحتياطات المالية. وهذه المؤسسات، التي تشكل شريحة واسعة من بنية الاقتصاد اللبناني، تواجه اليوم تحدياً يومياً يتصل بالاستمرار أكثر مما يتصل بالنمو أو التوسع. فالأولوية باتت للحفاظ على الحد الأدنى من التشغيل، وتجنب الوصول إلى مرحلة التعثر أو الإقفال. ولا تتوقف تداعيات هذا الواقع عند حدود المؤسسات نفسها، بل تمتد إلى
الاقتصاد الوطني ككل. فكل تراجع في أداء القطاع الخاص ينعكس على سوق العمل، وعلى
الدورة التجارية، وعلى إيرادات الدولة، وعلى توفير فرص العمل،كما يوجّه ضربة إضافية إلى أي مسار محتمل للتعافي الاقتصادي. وبذلك، يصبح الضغط على الشركات الخاصة مؤشراً مقلقاً على اتساع دائرة الخسارة لتشمل بنية الاقتصاد اللبناني بأكملها.
ومع استمرار الغموض، يزداد القلق من أن يؤدي طول أمد الحرب إلى دفع المزيد من المؤسسات نحو خيارات قاسية، كخفض الأعمال أو تجميد المشاريع أو تقليص النفقات إلى حدودها القصوى. وفي بلد يعتمد بصورة كبيرة على مبادرات قطاعه الخاص وحيويته، فإن استمرار هذا النزف يضع السوق أمام مرحلة بالغة الدقة، قد تكون تداعياتها أعمق من الخسائر الآنية نفسها.
في هذا السياق، يقول
نائب رئيس "تجمّع
الشركات اللبنانية" هادي سوبره إن الشركات والمؤسسات الخاصة في لبنان تواجه ضغوطاً كبيرة غير مسبوقة نتيجة الحرب الدائرة حالياً، معرباً عن خشيته من إطالة أمدها، لما قد يترتب على ذلك من تعريض عدد كبير من المؤسسات لمخاطر لا تحمد عقباها. وأشار إلى تراجع ملحوظ في حجم الأعمال، ما يلحق بالشركات خسائر كبيرة يصعب عليها تحمّلها، ولا سيما أنها لم تتمكن حتى الآن من التعافي من تداعيات الأزمات المتتالية التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية.وحذّر من التداعيات الخطيرة لهذا التراجع على الشركات ومؤسسات القطاع الخاص، لافتاً إلى أن الخسائر المتراكمة تزيد الضغوط على سيولة المؤسسات، في ظل محدودية المداخيل وارتفاع المصاريف، إضافة إلى صعوبة تأمين التمويل في ظل تعثر القطاع المصرفي. ولفت إلى أن الوضع الراهن ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني
بشكل عام، سواء في القطاعين العام والخاص، وعلى مالية الدولة ومسار التعافي الاقتصادي، معرباً عن أمله في احتواء الوضع سريعاً قبل فوات الأوان.
الارقام تكشف
وفي أرقام حصل عليها "
لبنان24"، أظهرت أن العمالة تراجعت في هذا القطاع بنسبة 25 في المئة بفعل الحرب، فيما لم يعد نحو 29 في المئة من المؤسسات المتضررة يملك أي موظفين. كذلك أقفل 15 في المئة من الشركات نهائياً، وعلّق 21 في المئة نشاطه مؤقتاً، في وقت بقيت فيه مؤسسات كثيرة في المناطق الأكثر تضرراً خارج الخدمة حتى بعد وقف إطلاق النار، قبل انطلاق الجولة الجديدة.
في المحصلة، لا تواجه الشركات الخاصة في لبنان اليوم مجرد تراجع ظرفي في الأعمال، بل تقف أمام اختبار بقاء فعلي في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً. وبين الحرب والأزمة المالية وغياب التمويل وانكماش السوق، يتقدّم هاجس الصمود على ما عداه، فيما يبقى الخوف الأكبر من أن تتحول الخسائر المتراكمة إلى تهديد مباشر لجزء واسع من القطاع المنتج في البلاد.