لنفترض أن السفير الايراني الجديد في
لبنان محمد رضى شيباني، الذي لم يُعتمد رسميا، رفض تنفيذ قرار مغادرته لبنان، بناء على ما تبلغه القائم بالأعمال من
الأمين العام لوزارة الخارجية، بعدما تلقى "جرعة" دعم من محور الممانعة، ما هي الخطوة التالية، التي يمكن أن تقدم عليها الحكومة
اللبنانية، وهل تستطيع أن تقطع علاقتها بإيران، أم تكتفي ببعض الاجراءات الشكلية، وذلك تلافيا لمشكلة أخرى أكبر من الأولى، وتلجأ بالتالي إلى تحميل مسؤولية اتخاذ هكذا قرار لوزير الخارجية، مع
العلم أن الاقدام على خطوة بهذا الحجم لم يكن بمبادرة آحادية، ولم يكن الوزير يوسف رجي ليتخذ هذا الأجراء، لو لم يكن مستندا في حيثيات القرار إلى موافقة كل من رئيسي الجمهورية والحكومة؟
هو موقف جديد لا تُحسد عليه الحكومة، وهي التي لم تُحترم قراراتها السابقة، وبقيت حبرا على ورق، سواء تلك التي اتخذت في ٧ آب او في ٢ آذار، وما بينهما بالنسبة إلى التدابير، التي اتخذت عشية التهديد بإضاءة صخرة الروشة.
فهذه الخطوة وما سبقها بالنسبة إلى قرار حصرية السلاح، أو قرار حصرية السلم والحرب، أو قرار اسناد الخارج بحرب لا ناقة للبنان فيها ولا جمل، سبب إضافي لخلاف داخلي بين محورين، الأول يُسمى سياديا، وآخر تطلق عليه تسمية الممانعة، يدخل لبنان مرة بعد مرات كثيرة في دهاليز الفرقة، التي تطل برأسها لتطيح بما تبقى من ماء وجه، يحاول كثير من سادة الرأي تجنيب اللبنانيين ما يُخشى منه، وما يفتح الباب واسعا أمام خيارات قد يكون أحلاها أكثر مرارة من العلقم، وتذهب بالتالي الجهود التي بُذلت على مدى سنوات أدراج الرياح، ويصبح "لبنان البابا القديس يوحنا بولس الثاني" في خبر كان، وأثرا بعد عين.
ما تفرزه المواقف المتناقضة للبنانيين من كل قضية تُطرح على بساط البحث ينذر بأوخم العواقب، خصوص أن جسور التواصل بين اللبنانيين المعلقة بخيوط واهية مهددة بالانهيار مع أول هبة عاصفة عاتية.
وفي حال وصلت الأمور إلى حدّ رفض السفير
الإيراني مغادرة لبنان، فإن لبنان سيكون أمام اختبار سيادي ودستوري وديبلوماسي بالغ الخطورة، لأن أي تراجع عن قرار اتُّخذ وفق الأصول الديبلوماسية سيعني عمليًا أن الدولة اللبنانية غير قادرة على فرض قراراتها على أراضيها، وأن قرارها ليس بيدها بالكامل، وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة في العالم.
أما إذا أصرت الدولة اللبنانية على تنفيذ قرارها، فإنها ستكون أمام مواجهة سياسية داخلية كبيرة، قد تتدحرج إلى أزمة حكومية، وربما إلى شلل كامل في مؤسسات الدولة، في ظل الانقسام العمودي القائم في البلاد بين من يرى في هذا القرار دفاعًا عن سيادة لبنان وكرامة الدولة، وبين من يعتبره استهدافًا سياسيًا لمحور إقليمي معيّن.
وفي الحالتين، يدفع لبنان الثمن مرة جديدة، لأن مشكلته الدائمة كانت ولا تزال أنه ساحة لتصفية الحسابات، وأن قراراته الكبرى غالبًا ما تكون مرتبطة بتوازنات خارجية أكثر مما هي مرتبطة بمصالحه الداخلية، فيبقى البلد معلّقًا بين المحاور، لا هو قادر على أن يكون في محور بالكامل، ولا هو قادر على أن يكون خارج المحاور بالكامل.
المشكلة في لبنان ليست في حادثة ديبلوماسية هنا أو أزمة سياسية هناك، بل المشكلة الأعمق هي في الانقسام اللبناني المزمن حول مفهوم الدولة نفسها، وعن أي دولة يريد اللبنانيون؟ هل هي دولة القرار الواحد أم دولة القرارات المتعددة؟ دولة السلاح الواحد أم دولة الساحات المفتوحة؟ دولة العلاقات المتوازنة مع الجميع أم دولة المحاور؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، وهي مطروحة منذ عشرات السنين، لكن كل الأزمات التي مرّ بها لبنان لم تدفع اللبنانيين إلى الجلوس بجدية حول طاولة واحدة للاتفاق على إجابات واضحة لها، فبقيت كل أزمة تكشف حجم الهوة بينهم، وبقي كل استحقاق يتحول إلى مشكلة وجودية بدل أن يكون خلافًا سياسيًا عاديًا.
وفي ظل هذا الواقع، قد لا تكون المشكلة الأساسية في أن يرفض سفير مغادرة لبنان أو أن تُقطع علاقات ديبلوماسية أو أن يُستدعى سفير أو يُطرد ديبلوماسي، بل المشكلة الحقيقية هي أن لبنان نفسه لا يزال حتى اليوم غير متفق على هويته السياسية والاستراتيجية، ولا على موقعه في صراعات المنطقة، ولا على حدود علاقاته الخارجية.
لذلك، يبدو لبنان في كل مرة وكأنه يقف على حافة أزمة كبيرة، لا بسبب قرار واحد أو حادثة واحدة، بل بسبب تراكم سنوات طويلة من الخلافات غير المحسومة، ومن التسويات المؤقتة، ومن ترحيل المشاكل من مرحلة إلى أخرى من دون حل جذري.
فالمشكلة ليست في سفير يأتي أو سفير يرحل، ولا في قرار يُتخذ أو قرار يُعلَّق، بل المشكلة أن لبنان لا يزال يعيش بين دولتين: دولة تريد أن تكون دولة، ودولة لا تسمح لها أن تصبح دولة.