أشعل قرار وزارة الخارجية اللبنانية بطرد السفير الإيراني الفتيل الأول لاشتباك سياسي داخلي كان مؤجلاً منذ بداية الحرب. فهذه الخطوة، التي بدت للكثيرين مفاجئة من حيث التوقيت والجرأة، لم تُقرأ فقط كإجراء دبلوماسي تقني، بل كرسالة سياسية ثقيلة الدلالات في لحظة شديدة الحساسية داخلياً وإقليمياً. ومع تداخل الملفات الأمنية والعسكرية مع الحسابات السياسية، بدا واضحاً أن تداعيات القرار لن تبقى محصورة في الإطار الخارجي، بل ستتحول سريعاً إلى مادة سجال داخلي قد تتطور ملامحه في أي لحظة.
الصدمة الأبرز تمثلت في ردة الفعل الرسمية التي صدرت عن
رئيس مجلس النواب نبيه بري، والتي عكست امتعاضاً واضحاً من الطريقة التي اتُّخذ بها القرار، ومن الرسائل التي يحملها في هذا التوقيت تحديداً.
من الواضح ان رئيس الجمهورية جوزاف عون حاول استثمار الصورة التي جمعته ببري في اليوم السابق، لإيصال انطباع بأن القرار يحظى بغطاء أو موافقة ضمنية من رئيس المجلس، وهو ما لم ينجح بعد رد
بري وتسريب رده للاعلام، بل ربما زادها تعقيداً.
في المقابل، يسعى رئيس الجمهورية إلى الإيحاء بأنه لم يكن على علم مسبق بالقرار، وهو طرح يراه كثيرون غير منطقي في ظل حساسية الملف وخطورته، إذ يصعب تصور اتخاذ خطوة بهذا الحجم من دون إطلاع رأس الدولة عليها.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف قد يكون جزءاً من محاولة لاحتواء ردّة فعل"
الثنائي"، عبر إبقاء الباب مفتوحاً أمام معالجة هادئة وعدم الذهاب إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً أن أي تصعيد داخلي واسع في ظل الحرب قد يحمل مخاطر يصعب ضبطها.
داخل أوساط "الثنائي"، تتباين المقاربات حيال كيفية التعامل مع هذا التطور. فهناك اتجاه واضح يدعو إلى تأجيل تفجير الخلاف الداخلي إلى ما بعد انتهاء الحرب، تفادياً لإضافة جبهة سياسية جديدة إلى جبهات التوتر القائمة.
لكن هذا التأجيل لا يعني، بالضرورة، القبول بالأمر الواقع أو تكريس ثوابت جديدة في المعادلة الداخلية، بل يبدو أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة بانتظار لحظة أكثر ملاءمة لإعادة فتح الملف.
أمام هذا المشهد المعقّد، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة من التوتر السياسي الذي قد يواكب مسار الحرب نفسها. المخاوف لا تقتصر على التصعيد داخل المؤسسات، بل تمتد إلى الشارع، حيث تتزايد الهواجس من احتمال انفجار الشارع والشارع المضاد إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة.
وفي ظل هشاشة التوازنات الداخلية، قد يكون أي خطأ في التقدير كافياً لإشعال مواجهة يصعب احتواؤها، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، أقلّها التوتر السياسي، وأخطرها الانفجار الداخلي.