مع انطلاق موسم الأعراس في
لبنان، وهو الموسم الذي ينتظره كثير من الشبان والشابات للاحتفال ببداية حياة جديدة، جاءت الحرب لتفرض واقعًا مختلفًا على هذه المناسبة التي اعتاد اللبنانيون أن يحيطوها بالفرح والاحتفال. فبين القلق الأمني والظروف الصعبة، وجد العديد من الأزواج أنفسهم أمام خيارات صعبة تتراوح بين تأجيل العرس أو اختصار الاحتفال إلى الحدّ الأدنى.
فكثير من العائلات كانت قد حدّدت مواعيد أعراس أبنائها منذ أشهر، وبدأت التحضيرات
على أمل أن يكون هذا العام مناسبة للاجتماع والفرح. غير أنّ التطورات الأمنية التي شهدها لبنان في الفترة الأخيرة دفعت عددًا كبيرًا من الأزواج إلى إعادة النظر في خططهم، خصوصًا في المناطق التي تشهد توترات متكررة أو قريبة من مناطق الاشتباكات.
تقول رنا، وهي عروس من إحدى قرى الجنوب، إنّها كانت تحلم بحفل زفاف كبير يجمع الأهل والأصدقاء، إلا أنّ الظروف الحالية دفعتها وخطيبها إلى تأجيل العرس إلى موعد غير محدّد. وتضيف: “لم يكن القرار سهلًا، لكننا شعرنا أنّ الأجواء لا تسمح بالاحتفال كما كنا نتمنّى، ففضّلنا الانتظار إلى حين تحسّن الظروف”.
في المقابل، اختار بعض الأزواج المضي قدمًا في الزواج، لكن بطريقة مختلفة عن الأعراس التقليدية. فقد اكتفى كثيرون بإقامة حفلات بسيطة داخل المنازل أو باحتفال عائلي صغير يضمّ المقرّبين فقط. وتقول ليلى، وهي عروس من
بيروت، إنّها قررت مع خطيبها عدم إلغاء العرس بالكامل، بل اختصاره بحفل عائلي بسيط. وتوضح: “كنا ننتظر هذا اليوم
منذ فترة طويلة، لذلك قررنا أن يتم الزواج مهما كانت الظروف، حتى لو كان الاحتفال متواضعًا”.
كما ظهرت مشاهد غير مألوفة في بعض الأماكن، حيث أقيمت أعراس بسيطة داخل المدارس أو المراكز التي تستضيف عائلات نازحة. فبالنسبة لبعض الأزواج، لم يكن من السهل تأجيل الزواج في ظل الظروف المعيشية الصعبة، فاختاروا إقامة احتفال رمزي يجمع العروسين وعائلتيهما وبعض الأصدقاء، في محاولة للحفاظ على لحظة الفرح رغم كل الظروف.
أما في المناطق التي تُعدّ أكثر أمانًا نسبيًا، فلا تزال بعض صالات المناسبات تستقبل حجوزات الأعراس، وإن كان ذلك بأعداد أقلّ وباحتفالات أكثر بساطة. ويقول محمود
الحجار صاحب إحدى صالات الأفراح إنّ الحركة تراجعت مقارنة بالسنوات الماضية، لكنها لم تتوقف بالكامل. ويضيف: “هناك أشخاص قرّروا عدم تأجيل أعراسهم، خصوصًا من المناطق التي تشهد توترًا، فيأتون إلى مناطق أكثر هدوءًا لإقامة حفلاتهم”.
ويشير الحجار إلى أنّ طبيعة الأعراس تغيّرت هذا العام بشكل واضح. فالكثير من الأزواج باتوا يفضّلون تقليص عدد المدعوّين والاكتفاء بدائرة ضيّقة من العائلة والأصدقاء، بدل الحفلات الكبيرة التي كانت تضم مئات الضيوف.
ويضيف أنّ بعض العائلات
القادمة من الجنوب أو من المناطق المتضرّرة باتت تبحث عن إقامة أعراسها في مناطق أكثر استقرارًا، حيث يشعر المدعوون بقدر أكبر من الأمان. ويشير إلى أنّ هذه العائلات تحاول التمسّك بلحظة الفرح رغم كل الصعوبات، حتى وإن كان الاحتفال متواضعًا مقارنة بالأعراس التي اعتاد عليها اللبنانيون.
ورغم القلق والصعوبات التي ترافق هذه المرحلة، يحاول كثير من اللبنانيين التمسك بلحظات الفرح القليلة المتاحة. فالأعراس، بالنسبة لكثيرين، ليست مجرد احتفال، بل إعلان عن استمرار الحياة رغم كل التحديات.
وهكذا يتكيّف موسم الأعراس هذا العام مع واقع الحرب، بين أفراح مؤجّلة وأخرى مختصرة، وأزواج يصرّون على بدء حياتهم الجديدة ولو بطرق بسيطة، في رسالة واضحة بأن الحياة في لبنان، مهما اشتدت الظروف، تستمر ولا تتوقف.