تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

الراعي: خميس الأسرار دعوة للمحبة والخدمة والوحدة الوطنية

Lebanon 24
02-04-2026 | 13:29
A-
A+

الراعي: خميس الأسرار دعوة للمحبة والخدمة والوحدة الوطنية
الراعي: خميس الأسرار دعوة للمحبة والخدمة والوحدة الوطنية photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذبيحة الإلهية ورتبة الغسل عشية خميس الأسرار في بازليك سيدة لبنان - حريصا، عاونه فيها المطارنة بولس الصياح، حنا علوان، انطوان عوكر، الياس نصار،أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، رئيس مزار سيدة لبنان_حريصا الأب خليل علوان، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من الفعاليات والمؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان:"قام عن العشاء وغسل أرجل تلاميذه"، قال فيها: "نلتقي في هذا المساء المبارك، للاحتفال بخميس الأسرار، الليلة التي فيها كشف يسوع عمق محبته، وأعطى ذاته للبشرية، وأسس سرّ القربان وسرّ الكهنوت، ومعهما جميع الأسرار التي بها تحيا الكنيسة. إنها ليلة العطاء الكامل، ليلة الحب الذي لا حدود له، ليلة الخدمة والتواضع، ليلة الدخول في سرّ الفداء.

سرّ القربان وسرّ الكهنوت هما سرّا الخدمة، ومن خلالهما تنبثق كل الأسرار الأخرى: المعمودية، الميرون، التوبة، مسحة المرضى، والزواج. فبدون سرّ القربان والكهنوت، لا تقوم الكنيسة ولا تُعاش الأسرار، لأن القربان هو قلبها النابض، والكهنوت هو خدمتها المستمرة عبر الزمن.

في هذا الاحتفال، قام يسوع بدور العبد، غاسلًا أرجل تلاميذه الاثني عشر، كهنة العهد الجديد. وهكذا أعطاهم القدوة. واليوم يمثّل بيننا الرسل إثنا عشر محاميًا خدّام الحقيقة والعدالة. فإن اختياركم، أيها المحامون الأعزاء، نعمة خاصة نرجو أن تطبع قلوبكم ورسالتكم في عالم المحاماة والقضاء".

اضاف: "بشأن تأسيس سر القربان، يذكّرنا بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (11: 23 – 32) حيث يقول: "إنّي أسلّمكم ما تسلّمته من الرب الذي أخذ خبزًا وشكر وكسر، وأعطى تلاميذه قائلاً: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي الذي يُكسر من أجلكم، اصنعوا هذا لذكري". ثم أخذ الكأس وقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي، اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري. فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب إلى أن يأتي".

في تلك الليلة المقدسة، أسّس يسوع سرّ القربان، سرّ تحويل الخبز إلى جسده، والخمر إلى دمه. إنه ليس مجرد تذكار، بل هو حضور حي، حضور دائم، حضور حقيقي للمسيح بيننا وفينا. القربان هو سرّ المحبة الكبرى، حيث أعطى يسوع ذاته طعامًا لنا، ليكون معنا وفينا ولأجلنا".

وتابع: "في خميس الأسرار، نفهم أن القربان هو أكثر من سرّ، إنه عهد جديد بين الله والإنسان،عهد يقوم على العطاء، وعلى البذل، وعلى الحب الذي يصل إلى حدّ عطاء الذات. فكما يُكسر الخبز، هكذا يُكسر جسد المسيح من أجلنا، وكما أُعطيت الكأس، هكذا سُفك دمه من أجل خلاص العالم.

وصيته واضحة: "اصنعوا هذا لذكري"، أي عيشوا هذا السرّ، احملوه في حياتكم، كونوا أنتم أيضًا خبزًا مكسورًا لأجل الآخرين، وعطاءً حيًا في عالم يحتاج إلى المحبة. وهكذا يصبح القربان مدرسة تعلمنا كيف نحب، كيف نعطي، كيف نعيش لأجل الآخرين، وكيف نحمل حضور المسيح في حياتنا اليومية".

واردف: "ينقلنا إنجيل يوحنا (13: 1 – 15) إلى مشهد غسل الأرجل، إذ قام يسوع عن العشاء، وبدأ يغسل أرجل تلاميذه. مشهد صادم، فالذي يغسل الأرجل هو العبد، لكن هنا، الربُ نفسه ينحني ليخدم. وقال لتلاميذه: "إن كنت أنا الرب والمعلم قد غسلت أرجلكم، فعليكم أنتم أيضًا أن يغسل بعضكم أرجل بعض".

في هذا الفعل، أعطى يسوع مثلًا حيًا لتلاميذه، هم الذين صاروا كهنة العهد الجديد، ليعلّمهم أن الكهنوت ليس سلطة، بل خدمة؛ ليس مقامًا، بل تواضعًا؛ ليس رفعة، بل انحناء بمحبة. أراد يسوع أن يقول لهم: كما فعلت أنا، افعلوا أنتم أيضًا: كونوا خدامًا، عيشوا المحبة، عيشوا التفاني، عيشوا التواضع.

الغسل ليس مجرد عمل رمزي، بل هو برنامج حياة، هو دعوة لننحني على بعضنا البعض بمحبة، لنخدم من دون مقابل، ولنعطي من دون حساب.

وهنا تتكامل الصورة مع سرّ القربان: فالقربان هو عطاء الذات، والغسل هو خدمة الآخرين. ومن هنا نفهم هذه الحقيقة العميقة: لا يمكن أن نعيش القربان إن لم نعش الخدمة. فمن يتناول جسد المسيح، مدعو ليصبح جسدًا معطاءً، ومن يشرب من الكأس، مدعو ليحمل حبًا متواضعًا في حياته. القربان والغسل وجهان لسرّ واحد: سرّ المحبة التي تعطي وتخدم حتى النهاية".

وقال: "في هذه الليلة، تدعونا الكنيسة إلى زيارة سبع كنائس، وهذا التقليد يرتبط بالأسرار السبعة، لكنه في عمقه هو دعوة إلى السهر مع يسوع في بستان الزيتون ليلة آلامه. هناك قال لتلاميذه: " اسهروا وصلوا، لئلا تدخلوا في تجربة". لكنه وجدهم نياماً ، وكان قلبه مثقلاً، وصلى قائلاً: "يا أبتِ، إن أمكن، فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن لا كما أنا اريد، بل كما تريد أنت".

زيارة السبع كنائس هي استجابة لدعوة يسوع، هي سهر معه، مرافقة له في ألمه، وقفة حب وصلاة، ونقول له: نحن هنا معك، لن نتركك. إنها دعوة لأن نبقى معه في ساعة الضيق، أن نكون أوفياء، أن نرافقه في درب الصليب. وهكذا تصبح هذه الزيارة أكثر من تقليد، تصبح علاقة حيّة مع يسوع، وسهرًا روحيًا يعمّق إيماننا، ويجعلنا أقرب إلى قلبه، من خلال قربنا وخدمتنا لكل متألم في جسده أو نفسه أو روحه".

اضاف: "يسوع في هذه الليلة أحبّ، وبذل، وأوصى، ونحن اليوم في واقعنا اللبناني أمام وصيته للوحدة والغفران، في زمن نعيش فيه مرارة الحرب والتشريد والهدم والقلق والصمود. وإنّا نذكّر بالواجب القانوني الدولي بترك ممرّات إنسانية إلى المحاصَرين والصامدين في بيوتهم وبلداتهم، لتمرير المواد الغذائية والأدوية والحاجات الملحّة، وذلك بموجب اتّفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 في موادها 43 و55 و56 و59، وبموجب البروتوكول الإضافي الأول للعام 1977 في مادتيه 54 و70، وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 1701 الفقرة 11 (د)".

وتابع": "إن سرّ القربان، الذي يوحّدنا في جسد واحد، يضعنا أمام مسؤولية الخروج من الانقسامات، وبناء وحدة حقيقية لا تقوم على المصالح بل على الخير العام. فكما لا ينقسم جسد المسيح، كذلك لا يليق بنا أن نقبل بانقسام مجتمعنا أو تشرذم وطننا. فالوطن لا يُبنى بالسيطرة بل بالخدمة، لا بالتسلّط بل بالتواضع. إن ما نعيشه من توترات واعتداءات يكشف حاجتنا العميقة إلى هذه الروح: روح الخدمة الصادقة التي تضع الإنسان وكرامته في المرتبة الأولى، والوطن اللبناني في أولى سيادته ونموّه وحمايته.

وفي وسط كل ما يحدث من قتل وتدمير وتشريد وصمود، يبقى صوت خميس الأسرار واضحًا وقويًا: وهو أن نتحول. كما تحوّل الخبز إلى جسد، والخمر إلى دم، نحن مدعوون أن نحوّل واقعنا من خوف إلى رجاء، ومن انقسام إلى وحدة، عملًا بوصية يسوع: أن نحب، ونخدم، ونبقى واحدًا. وهكذا يصبح خميس الأسرار دعوة وطنية وروحية عميقة، دعوة إلى بناء إنسان جديد، ومن خلاله وطن جديد، قائم على المحبة والخدمة والأمانة".

وختم: "أمام سرّ القربان الذي يُصمد كل الليل لزيارة المؤمنين وعبادتهم، نصلّي إلى المسيح الرب كي يسكب المحبة في القلوب، وينقّيها من كل بغض وحقد، ويحوّل كل إنسان إلى شخص محب وبناء للوحدة، ويرمي السلاح، ويعمل من أجل السلام. فالمسيح سلامنا".
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك