كتبت لوسي بارسخيان في" نداء الوطن": فرض الشلل نفسه على حدود
لبنان البرية عند نقطة المصنع، منذ ليل السبت – الأحد، على أثر تهديد
إسرائيل الطريق الممتد بين معبر المصنع على الجانب اللبناني من الحدود ومعبر جديدة يابوس في
سوريا، وإنذارها المتواجدين في المنطقة كي يخلوها "لأن الجيش يعتزم تنفيذ غارات على الموقع في وقت قريب".
حتى لو لم يعقب التهديد استهداف فعلي، فإن مفاعيله الميدانية حتى إعداد هذا التقرير جاءت بحجم الضربة نفسها. حيث انقطعت حركة عبور السيارات أو الأفراد أو حتى الشاحنات
على الطريق المهدد منذ الساعة العاشرة من مساء يوم السبت. وهو ما بدّل وجه المعبر، الذي يعتبر شريانًا حيويًا يربط لبنان بسوريا ومنها إلى محيطه العربي. وتحوّل مسرحًا لحركة رسمية وأمنية ناشطة في محاولة لاحتواء التداعيات وإيجاد مخارج، ولا سيما لتأمين مرور الشاحنات.
منذ اللحظة الأولى للتهديد، تعاملت الجهات الرسمية
اللبنانية معه كخطر قائم، وسارعت إلى إخلاء المراكز الأمنية والإدارية، ونقل الموقوفين من نظارات مركز قوى الأمن الموجود في المنطقة، في مشهد عكس انتقال المعبر خلال ساعات من حالة العمل الطبيعية إلى حالة طوارئ مكتملة.
وقد ترافق ذلك مع إخلاء المؤسسات الخاصة، وإجراءات احترازية واسعة، فيما نقل الدفاع المدني معداته إلى مناطق قريبة تحسّبًا لأي استهداف، وكذلك طُلب من السكان القاطنين في محيط المنطقة اتخاذ تدابير وقائية.
هذا في وقت تركز جهد جهاز
الجمارك تحديدًا على امتصاص التداعيات التي خلّفها التهديد بالنسبة للشاحنات الداخلة إلى لبنان، سواء عبر الترانزيت أو من سوريا مباشرة.
فجزء كبير من هذه الشاحنات، كان متواجدًا في المنطقة التي حدّدتها إسرائيل بالحمراء ليل السبت. وعليه انصبّت الجهود على تفريغ ما تيسّر في الباحة الجمركية الكائنة خلف المنطقة المهددة لجهة الأراضي اللبنانية، ونقل جزء من الشاحنات المكدّسة فيها إلى باحة التصدير خلف مركز
الأمن العام اللبناني، تسهيلًا لعملية سحب الشاحنات المركونة على الطريق الدولي إلى الباحة اللبنانية. هذا في وقت اختار سائقو بعض هذه الشاحنات العودة بها إلى سوريا، قبل أن تغلق الأخيرة حدودها أيضًا.
حتى صباح أمس، كانت الجمارك اللبنانية قد نجحت بسحب معظم الشاحنات العالقة على الطريق. إلا أن العملية لم تكن سهلة، وقد شابتها في الساعات الأولى حالة من الهرج والمرج، التي استغلها بعض المخلصين، في محاولة لتخطي الإجراءات الحدودية، والموضوع لا يزال قيد المتابعة والتحقيق.
في المقابل لم يُخفف عدم تنفيذ التهديد من وطأة المشهد. بل أبقى المنطقة في حالة ترقب مفتوح، وهو تسبب بمخاوف من أن يطال التهديد البنية التشغيلية للمعبر نفسه، في ظل خسائر حتمية يخشاها مستوردو البضائع ومصدروها، جراء تعطل حركة الشاحنات، والتي تبيّن أن بعضها عالق على الحدود منذ 4 آذار الماضي.
ما يكسب هذا التعطيل ثقله الإضافي هو غياب البدائل لمعبر المصنع البري في
منطقة البقاع. فمعابر لبنان الأخرى إما غير مجهّزة لاستقبال البضائع، كما في القاع، أو متوقفة منذ أشهر، كما في العريضة والدبوسية. وهو ما يجعل معبر المصنع فعليًا المنفذ البري الوحيد العامل للبنان. وبالتالي فإن إقفاله يلامس حدود فرض الحصار البرّي الواقعي على لبنان.
علمًا أن التداعيات الملموسة لمثل هذا الواقع تبدو على مستويين متداخلين: الأول قريب المدى، يتمثل بالخسائر المباشرة الناتجة عن تعطّل الشاحنات وحركة الترانزيت، وما يستدعيه ذلك من تحرّك رسمي لمعالجة الأزمة اللوجستية.
وكتب اسكندر خشاشو في"النهار": في الساعات التي تلت الإعلان، بدا المشهد على جانبي الحدود مرتبكاً. مئات العالقين، من لبنانيين في الداخل السوري وسوريين داخل لبنان، دخلوا في سباق مع الوقت للبحث عن خيارات بديلة، في غياب أي وضوح رسمي حول مدة الإقفال أو آلية معالجته. ومع تزايد الضغوط، بدأت تتبلور ثلاثة مسارات رئيسية يتداولها العالقون، كلّ منها يحمل كلفته ومخاطره.
الخيار الأول الانتظار، وهو الأكثر تداولاً حتى الآن. هذا الخيار يستند إلى معلومات عن تدخلات دولية، ولا سيما أميركية، ساهمت في تجنّب استهداف المعبر عسكرياً، ما يعزز فرضية إعادة فتحه قريباً. لكن هذا الانتظار ليس بلا ثمن: إقامة قسرية في بلد ثان، أعباء مالية متزايدة، وقلق يومي من أن يتحوّل "الموقت" إلى طويل الأمد.
الخيار الثاني يتجه شرقاً نحو معبر جوسيه الذي لا يزال يعمل ولكن بوتيرة بطيئة وإجراءات أكثر تعقيداً. هذا المعبر الذي لم يُصمّم ليستوعب الضغط الذي كان يمرّ عبر المصنع، إضافة إلى أنه لم يؤهّل بعد الحرب الأخيرة والضربات التي تلقاها، يشهد حالياً حركة متزايدة تفوق قدرته التشغيلية، ما يعني ساعات طويلة من الانتظار وإجراءات لوجيستية مرهقة، فضلاً عن كلفة انتقال إضافية.
أما الخيار الثالث، فهو الأكثر صعوبة، ويتمثل في إعادة ترتيب مسارات السفر بالكامل، سواء عبر طرق أطول داخل سوريا أو محاولات التفاف غير مباشرة للوصول إلى نقاط عبور أقل ضغطاً. هذا الخيار، وإن يكن متاحاً نظرياً، يبقى محفوفاً بالمخاطر، خصوصاً في ظل الأوضاع الأمنية المتقلبة والبنية التحتية المتضررة.
غير أن ما يتجاوز هذه الخيارات، هو الدلالة الأعمق لما يجري. فإقفال معبر المصنع لا يبدو إجراء تقنيا بقدر ما هو جزء من إعادة رسم غير معلنة لقواعد الحركة بين لبنان وسوريا. فبعدما أدت الضربات السابقة إلى تعطيل عدد كبير من المعابر، بقي المصنع بمثابة "المنفذ الأخير" الفاعل، وإقفاله اليوم يطرح تساؤلات جدية عما إذا كان الهدف هو تضييق هذا الهامش تدريجاً.
في هذا السياق، يبرز بُعد إضافي لا يمكن تجاهله: استخدام المعابر ورقة ضغط. فربط الإقفال باعتبارات أمنية متصلة بـ"
حزب الله" يضع الحركة المدنية برمتها في دائرة التجاذب العسكري، ما يعني عملياً أن أيّ تطور ميداني قد ينعكس فوراً على حياة المدنيين وقدرتهم على التنقل.
في المقابل، يطرح غياب أي خطة لبنانية واضحة لإدارة الأزمة علامات استفهام كبيرة. فلا إجراءات استثنائية لمواكبة العالقين، ولا تنسيق معلنا يطمئن إلى مسار الحل، ما يترك الأفراد في مواجهة مصيرهم، بين شائعات عن فتح قريب، ووقائع ميدانية توحي بعكس ذلك.
في المحصلة، يتكرّس واقع جديد على الحدود: المعابر لم تعد مجرد نقاط عبور، بل تحوّلت إلى أدوات ضمن صراع أوسع، فيما يبقى العالقون الحلقة الأضعف، باعتبارهم عالقين بين قرار أمني لا يملكون التأثير فيه، وحدود باتت أكثر قسوة من أي وقت مضى.